فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 519

وفي أحيان أُخَر كان أبو السعود يصرّح بتضعيف رأي الكوفيين من ذلك ما جاء في قوله - عز وجل-: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة/143] .

اختلف توجيه (إن) في الآية بين المدرستين، فهي عند البصريين ناسخة مخففة من الثقيلة وعند الكوفيين نافية, وفي ذلك قال أبو السعود:" (إنْ) هي المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية كما في قوله: {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 108] ، وزعم الكوفيون أنها نافية واللام بمعنى (إلا) أي: ما كانت إلا كبيرة، والضمير الذي هو اسم كان راجع إلى ما دل عليه قوله - تعالى-: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] من الجَعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أو القبلة" [1] .

فقد قدم رأي الكوفيين بالزعم، فالغالب على ظني - وهو الفقيه المفتي القاضي - أنه قد استقر عنده أن الزعم من أبلغ صيغ التضعيف والتوهين.

وضعف رأي الكوفيين أيضا في تركيب (هَلُمَّ) في قوله - عز وجل-: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150] .

قال أبو السعود (هلم شهداءكم) أي: أحضروهم، وهو اسم فعل لا يتصرف على لغة أهل الحجاز، وفعل يؤنث ويجمع على لغة بني تميم على رأي الجمهور، وقد خالفهم البعض في فعليته، وليس بشيء [2] .

وأصله عند البصريين (هالُمَّ) من (لَمَّ) إذا قصد، حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل.

وعند الكوفيين (هل أُمَّ) ، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، وهو بعيد؛ لأن (هل) لا تدخل الأمر، ويكون متعديا كما في الآية، ولازما كما في قوله: (هلم إلينا) [3] .

وعليه، فما سبق وأمثاله في تفسير أبي السعود يرجح عندي أنه - رحمه الله - كان بصري الهوى، حيث كان يقدم في سرده المذهب البصري على الكوفي، وكان في بعض المواطن ينص عليه كوجه واحد في التركيب، وكان في مواطن أخرى يضعف أو يستبعد رأي الكوفيين، وهي وإن كانت مواطن نادرة إلا أني أعدها علامة على ميوله - رحمه الله -، يحكمه في ذلك كله بلاغة المعنى وسلامته.

(1) تفسير أبي السعود 1/ 311. وانظر: تفصيل المسألة في الإنصاف في مسائل الخلاف للأنباري، مسألة رقم (93) ، ص: 508.

(2) تفسير أبي السعود 3/ 137.

(3) السابق 3/ 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت