لم يكن أبو السعود - رحمه الله - يتردد في تخطئة ورد بعض الأوجه الإعرابية خاصة تلك التي تؤدي إلى معنى لا يتواءم وجزالة النظم القرآني، أو قد لا تتناسب مع سياق الآى، أو غير ذلك من الأسباب التي يسوقها محتجا لرد هذا الوجه أو ذاك. وقد كان - رحمه الله - يحتج لرده الوجه أحيانًا، وأحيانًا أخرى يترك الاحتجاج.
(1) ما احتج لرده:
من ذلك ما جاء في قوله - عز وجل-: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] .
ذكر أبو السعود أن جملة (أنّ) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: والأمر أن الله تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم [1] .
وقد قيل إن جملة (أن) في محل جر بالعطف على (ما قدمت) ، وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم مستلزم للعدل المقتضي لإثابة المحسن ومعاقبة المسيء.
وقد رد أبو السعود هذا الوجه قائلا:"وفساده ظاهر؛ فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلا حتى ينتهض نفي الظلم سببا للتعذيب" [2] .
"وأنت خبير بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب، بل وقوعه لا ينافى كون تعذيب هؤلاء الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه، وإنما يحتاج إلى اعتبار عدمه معه لو كان المدَّعى أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين" [3] .
وقد تكرر ذلك عينه في الآية نفسها من سورة الأنفال، وفي قوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10] [4] ، ورد أبو السعود وجه العطف لما يؤدي إليه من جعل عدم الظلم سببا للتعذيب، والحال أن الله - عز وجل - لا يظلم على كل حال سواء أعذب بذنب أم بغير ذنب.
وفي قوله - عز وعلا-: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 191.
(2) السابق 2/ 192.
(3) السابق 2/ 192، 3/ 329.
(4) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 32، 5/ 12.