فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 519

أولًا: اهتمام أبي السعود بالقراءات القرآنية:

لم يكن اهتمام أبي السعود بالقراءات القرآنية بوصفها علما له ضوابطه، وإنما كان اهتمامه أكثر ميلا إلى جانب الدرس اللغوي للقراءة، غير متقيد في ذلك بالمتواتر دون الشاذ، ولم يكن يتوسع توسعا كبيرا - كما فعل غيره - في إيراد القراءات، وإنما كان توسعه - في المواطن التي توسع فيها - لبيان اختلاف المعنى من قراءة لأخرى، أو لبيان الاختلاف الصرفي أو الصوتي في قراءة دون أخرى، وربما لم يكن لذلك كبير أثر على المعنى.

فمن الشواهد التي تعددت فيها القراءة واختلف المعنى بالتبع ما جاء في قوله - تعالى-: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 105] . قال أبو السعود:"ومعنى (دَرَسْتَ) قرأت وتعلمت، وروى (دَارَسْتَ) أي: دارست العلماء، و (دَرَسَتْ) أي: تقدمت هذه الآيات وعفت كما قالوا: أساطير الأولين، و (دَرُسَتْ) بضم الراء مبالغة في (دَرَسَتْ) أي: اشتد دورسها، و (دُرِسَتْ) على البناء للمفعول بمعنى: قرئت أو عُفيت، و (دَارَسَتْ) وفسروها بدارست اليهود محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وجاء الإضمار لاشتهارهم بالدراسة، وقد جُوِّز إسناد الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها، أي: دارس أهل الآيات وحملتها محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وهم أهل الكتاب، و (دَرَسَ) أي: درس محمد - صلى الله عليه وسلم -، و (دَارسات) أي: هي دارسات قديمات، أو ذات دَرْسٍ، كعيشة راضية" [1] .

ذكر أبو السعود في (درست) ثماني قراءات غير المشهورة، المتواتر منها كلها ثلاث فقط [2] ، والباقيات شاذة، وواضح من النص افتراق المعنى من قراءة لأخرى سواء في ذلك المتواتر منها والشاذ.

ومثل ذلك ما جاء في قوله - عز وجل: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] . قال - رحمه الله:"ونسخ الآية بيان إنهاء التعبد بقراءتها، أو بالحكم المستفاد منها، أو بهما جميعا، وإنساؤها إذهابها من القلوب، وقرئ (نُنْسِخ) من أنسخ أي: نأمرك أو نأمر جبريل بنسخها أو تجدها منسوخة، و (نَنْسَأْها) من النسء أي: نؤخرها، و (نُنَسِّها) بالتشديد، و (تَنْسَهَا) و"

(1) تفسير أبي السعود 3/ 100.

(2) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (دَارَسْتَ) ، وقرأ ابن عامر ويعقوب (دَرَسَتْ) ، وقرأ الباقون (دَرَسْتَ) وهي التي عليها المشهورة. انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري، مراجعة محمد على الضباع، دار الكتب العلمية - بيروت، د/ط، د/ت، 2/ 261. وانظر: شرح طيبة النشر في القراءات العشر لابن الجزري أيضا، تحقيق الشيخ أنس مهرة، دار الكتب العلمية - بيروت، ط/2، 1420 ه-2000 م، ص: 226، 227.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت