أما الكوفيون فقد أجازوا عدم بروز الضمير إذا لم يُلبس كهذه الآية [1] . وترى الباحثة أن رأي الكوفيين أكثر سدادًا؛ فالآية الكريمة لا لبس فيها مع عدم بروز الضمير، فضلًا عن أن التعبير القرآني أرقى وأوجز من قول: (غير ناظرين إناه أنتم) ، يضاف لذلك أن ليس في بروز الضمير مزيد فائدة. وقد تكرر شبه ذلك في قوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4] ، ف (خاضعين) حال من الضمير في (أعناقهم) على أحد الوجهين في إعرابها وقد ضعفه البعض؛ حيث جرت (خاضعين) على غير فاعل (ظلت) فكان المفترض: (فظلت أعناقهم لها خاضعين هم) [2] . وأحسب أن ذلك من الصنعة الخالية عن الفائدة تمامًا لأن الآية لا لبس فيها.
ورد ذلك عند تفسير أبي السعود قوله - عز وجل: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] .
حيث ذكر أبو السعود لكلمة (ربنا) قراءتين [3] : الأولى (ربنِّا) بالجر، والثانية (ربنَّا) بالنصب [4] .
أما قراءة الجر - وهي القراءة المشهورة - فقد ذهب أبو السعود - كغيره من العلماء [5] - إلى أنها نعت للفظ الجلالة.
فقد وصفه المشركون - تعالى عن شركهم- بربوبيته لهم للمبالغة في التبرؤ من الإشراك به، وذلك يوم الحشر والحساب [6] .
إلا أن هناك وجهين آخرين لقراءة الجر لم يذكرهما أبو السعود:
أحدهما: أن تكون مجرورة بدلًا من لفظ الجلالة. [7]
(1) انظر: البحرلأبي حيان 7/ 237، وانظر: اللباب لابن عادل 15/ 581.
(2) اللباب لابن عادل 15/ 5، 6.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 28.
(4) قرأ حمزة والكسائي وخلف (ربنا) بنصب الباء، وقرأ الباقون (ربِّنا) بجرها. انظر: النشر لابن الجزري 2/ 257، تحبير التيسير له أيضًا ص: 353، البدور الزاهرة للقاضي 1/ 257، المغني لمحيسن 2/ 38.
(5) انظر: معاني الأخفش 1/ 295، معاني الزجاج 2/ 236، إعراب النحاس ص: 260، الكشف لمكي 1/ 427، المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 278، البيان للأنباري 1/ 317.
(6) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 28.
(7) انظر: الكشف لمكي 1/ 427، البحر لأبي حيان 4/ 100، الدر المصون للسمين 4/ 575.