فضلًا عن أن وقوع الاستثناء على الوقت والحال معًا لا يجوز على مذهب الجمهور، لأنه لا يقع بعد (إلا) في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه، إلا أن الأخفش والكسائي أجازوا ذلك في الحال، فيجوز: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا. فعلى رأيهما يجوز ما ذهب إليه الزمخشري [1] وتابعه عليه أبو السعود.
وأما من جعل (غير) حالًا من الواو في (لا تدخلوا) دون قيد وقوع الاستثناء على الوقت والحال ربما أوهم أن المقصود من الآية خلاف ما أراده الله - عياذًا به من تعكيس مراده- فإن ذلك - في غالب ظني - يقضي بأن يكون المعنى: لا تدخلوا بيوت النبي غير ناظرين إلا بإذن، ولما كان نفي النفي إثبات كان المعنى: ادخلوا ناظرين بإذن.
وربما لهذا جعل البعض (غير) حالًا من الضمير المجرور في (لكم) ، والمعنى: لا تدخلوا بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بأن يؤذن لكم غير ناظرين نضوج الطعام [2] ، وذهب بعض آخر إلى تقدير فعل هو العامل في الحال، والتقدير ادخلوا غير ناظرين [3] .
أما ثاني القراءتين وهي قراءة الجر فقد ذهب أبو السعود مذهب غيره فجعلها نعتًا مجرورًا ل (طعام) ، وقد استضعفها البعض [4] ، وأبعد آخر النُّجْعَة فعد ذلك خطأً [5] من أجل عدم بروز ضمير الفاعل لجريان الصفة على غير من هو له، فكان من حقه أن يقال: غير ناظرين إناه أنتم. ونظير هذا من النحو: هذا رجلٌ مع رجلٍ ملازم له، وإن شئت قلت: هذا رجل مع رجل ملازمٌ له هو [6] . هذا رأي البصريين [7] .
(1) انظر: السابق الموضع نفسه.
(2) انظر: السابق الموضع نفسه.
(3) انظر: اللباب لابن عادل 15/ 580.
(4) انظر: اللباب لابن عادل 15/ 581.
(5) انظر: التبيان للعكبري 2/ 273.
(6) الجامع للقرطبي 17/ 202.
(7) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 425. وانظر: أيضا الكشاف للزمخشري 3/ 579، البحر لأبي حيان 7/ 237.