وبين الحذف والتقدير تلازم ضروري؛ فإن الحذف ليس إلا تقدير مالا وجود له في اللفظ، كما أن التقدير - في مجاله الرئيسي - ليس إلا حذف بعض أجزاء التركيب في نظر النحاة [1] .
فظاهرة (الحذف والتقدير) تشير في البحث النحوي إلى أسلوب محدد من أساليب التأويل، يهدف إلى إعادة صياغة المادة اللغوية، ويقوم في أساسه على تصور سقوط بعض أجزاء هذه المادة من التركيب [2] .
ولا يكاد يخلو باب من أبواب النحو إلا ويتصل به الحذف والتقدير في جزئية من جزئياته، ويحتكم النحاة في حذف بعض أجزاء التركيب وتقديرها إلى قاعدتين كبريين:
أولاهما: تتمثل في نظرية العامل؛ حيث تقتضي وجود أطراف ثلاثة: العامل، والمعمول، والعلامة الإعرابية التي تمثل أثر العامل في المعمول، فإذا لم يوجد في الجملة بعض هذه الأطراف تحتم - عند النحاة - تقدير مالا وجود له منها.
ثانيتهما: نظام الجملة، فإن الجملة عند النحاة تقوم في أساسها على وجود الإسناد الذي يتكون بدوره من ركنين رئيسين: المسند والمسند إليه، فإذا وجدت تراكيب تحققت منها الإفادة دون توفر ركني الإسناد فيها لجأ النحاة إلى تقدير المسند أو المسند إليه [3] .
إن الحذف أمر لا مفر من القول به إذا أردنا أن نفهم الاستعمال اللغوي على وجهه الصحيح؛ لأن الحذف من المبررات أمورا لا مناص من الاعتداد بها ما دام الدليل قد وجد وتوفرت القرنية على المحذوف [4] . وقديما قال النحاة: (لولا الحذف والتقدير لفهمت النحو الحمير) [5] .
ومن أمثلة ما كان القول بالمحذوف ضروريًا لفهمه قوله - عز وجل-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [يس: 45، 46] . فالمعنى: أنهم إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، فحذفت جملة الجواب، والدليل على المحذوف أمران: الأول:
(1) السابق، ص: 283.
(2) السابق نفسه.
(3) انظر: أصول التفكير النحوي لأبي المكارم، ص: 296 - 298.
(4) انظر: البيان في روائع القرآن للدكتور تمام حسان، 1/ 23، 24.
(5) انظر: السابق، 1/ 23.