من شواهد ذلك التعدد ما ورد في قوله - تعالى- في آية الدين: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282] .
ذكر أبو السعود ل (تجارة حاضرة) قراءتين [1] : الأولى بنصبهما، والثانية برفعهما [2] .
قال أبو السعود:" (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم) استثناء منقطع من الأمر بالكتابة، أي: لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارةً حاضرةً بحضور البَدَلين تديرونها بينكم ... فلا بأس بألا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان". [3]
ذهب أبو السعود - كما يفهم من كلامه- إلى أن (تجارةً) منصوبة خبرًا ل (كان) ناقصة. وإلى ذلك ذهب كثير من المعربين والمفسرين، إلا أنهم اختلفوا في تقدير اسمها المحذوف: فمنهم من قدره ضميرًا مستترًا يعود على التجارة، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارةً حاضرة [4] .
وقدره البعض الآخر ضميرًا يعود على المداينة في أول الآية، والتقدير: إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة [5] .
ويبدو أن أبا السعود لم يكن يعنيه ذلك الاختلاف في تقدير المحذوف اسمًا ل (كان) لأن المعنى لا يختلف على كليهما؛ فقد ذكر في عبارته السابقة التقديرين: (تداينكم) و (وتجارتكم) [6] .
وعلى أيٍّ من التقديرين، فإن (تجارةً) خبر كان و (حاضرةً) صفة ل (تجارة) وجملة (تديرونها) في محل نصب صفة ثانية لها [7] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 473.
(2) قرأ عامة السبعة غير عاصم (تجارةٌ حاضرةٌ) بالرفع، وقرأهما عاصم وحده بالنصب. انظر: الحجة للفارسي 2/ 436، حرز الأماني للشاطبي ص: 122، إبراز المعاني لأبي شامة ص: 378، غيث النفع للصفاقسي 1/ 451.
(3) تفسير أبي السعود 1/ 473 بتصرف. وانظر: روح المعاني للألوسي 3/ 61.
(4) انظر: الكشف لمكي 1/ 321، البيان للأنباري 1/ 183، الجامع للقرطبي 4/ 457. وقد ضعَّف ذلك ابن خالويه في الحجة انظر: ص: 103.
(5) انظر: معاني القرآن للزجاج 1/ 366، حجة القراءات لأبي زرعة ص: 151، إعراب القرآن للنحاس ص: 117.
(6) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 473.
(7) انظر: إعراب القرآن للدرويش 1/ 377، الإعراب المفصل لبهجت 1/ 401، إعراب القرآن لعثمان 1/ 731.