كثيرا، من ذلك ما جاء عند رده بعض التوجيهات التي لا تليق بشأن التنزيل من قوله:"ولا يخفى أنه مخلّ بجزالة النظم"، وقوله:"هذا ما يقتضيه المقام ويستدعيه النظام"، وغير ذلك كثير شائع في تفسير أبي السعود عند ترجيحه للأوجه النحوية والمعاني التفسيرية لكلام الله تعالى. وسيأتي - إن شاء الله - التمثيل بشواهد من التفسير تدل على عنايته - رحمه الله - بالنظم، وبنائه اختياراته وتوجيهاته عليه، واهتمامه بالمعطيات النحوية للتركيب القرآني للتدليل على إعجاز القرآن بنظمه، واستنطاق دلالاته التي لم تكن لتؤدى لو غُير نظمه عما هو عليه، سيأتي ذلك في موطنه عند الحديث عن عوامل الرد والترجيح عند أبي السعود.
في معرض الحديث عن قصة الأمر بالسجود لآدم - عليه السلام - في سورة الأعراف، وما كان من فسوق إبليس - عليه لعائن الله المتتابعة - واستنظاره إلى يوم القيامة أشار أبو السعود إلى اختلاف القصة هنا عنها في سورتي (الحجر) و (ص) من حيث الإيجاز والتفصيل، وأوضح أن ذلك سببه مراعاة مقتضى الحال مما يحتمه المقام.
فالكلام الواحد المحكي على وجوه شتى إن اقتضت الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة عند الحكاية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة دون ما عداه من الوجوه [1] .
فالذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله الذي يفيده، وأما كيفية إفادته له فليس مما يجب مراعاته عند النقل ألبتة، بل قد تُراعي وقد لا تُراعي حسب اقتضاء المقام، ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها، بل قد يُراعي عند نقله كيفيات وخصوصيات لم يراعها المتكلم أصلا، ولا يُخل ذلك بكون المنقول أصل المعني [2] .
فإن ملاك الأمر هو مقام الحكاية، وأما مقام وقوع المحكي فإن كان مقتضاه موافقا لمقتضى مقام الحكاية يوفَّي كل واحد من المقامين حقه كما في سورة (الحجر) وسورة (صَ) ؛ فإن مقام الحكاية فيهما لما كان مقتضيا بسط الكلام وتفصيله على الكيفيات التي وقع عليها رُوعي حق المقامين معا، وأما في سورة الأعراف فحيث اقتضى مقام الحكاية الإيجاز رُوعي جانبه [3] .
(1) تفسير أبي السعود 3/ 167.
(2) السابق 3/ 168.
(3) السابق نفسه.