فإذا كان أبو السعود قد فصّل اختلاف أسلوب قصّ القرآن قصة واحدة ما بين السور - ومقام وقوعها واحد - عازيا ذلك لاختلاف مقام الحكاية في كل سورة فلا عجب أن يولي - رحمه الله - المقام عناية كبري في التوجيهات النحوية وفي ترجيحه بينها مما حدا به في غير ما موضع أن يرد وجها هنا وآخر هناك مستندا لعدم اقتضاء المقام إياه. وأمثل لذلك بما جاء في قول الله - عز وعلا-: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 108] . جاء في التفسير أن قوله: (أو يخافوا) معطوف على أحد شيئين:
1 -معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم، فأي الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها.
2 -أو معطوف على (يأتوا) على معنى أن ذلك أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن يخافوا الافتضاح برد اليمين على الورثة فيظهر كذبهم [1] .
ورد أبو السعود أن يكون المعنى: أن ذلك أقرب إلى أحد الأمرين اللذين أيهما وقع كان فيه الصلاح وهما: أداء الشهادة على الصدق، والامتناع عن أدائها على الكذب قائلا:"فيأباه المقام؛ إذ لا تعلق له بالحادثة أصلا ضرورة أن الشاهد مضطر فيها إلى الجواب؛ فالامتناع عن الشهادة الكاذبة مستلزم للإتيان بالصادقة قطعا، فليس هناك أمران أيهما وقع كان فيه الصلاح حتى يتوسط بينهما كلمة (أو) ، وإنما يتأتى ذلك في شهود لم يُتهموا بخيانة" [2] .
وقد وقعت نماذج كثيرة في تفسير أبي السعود راعى فيها توافق التوجيه مع المقام، واحتكم إليه في رد أو ترجيح بعض التوجيهات في غير ما موطن [3] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 564.
(2) السابق 2/ 564.
(3) انظر: على سبيل المثال توجيه (يوم) من قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم/85] 4/ 582، وتوجيه (سورة) من قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور/1] 5/ 88، 89، وتوجيه شبه الجملة (من الله) في قوله: (تَنْزِعُ {الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر/1] 5/ 582.