باسم الله الذي لا إله إلا هو، له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا.
المستعان به على كل نائبة وجائحة، والمعهود منه كل برٍّ وكرامة، الذي عنت له الوجوه، وخشعت له الأبصار، وسبحت بحمده الأرض والسماوات وجميع الموجودات.
لا تسكن الأرواح إلا بحبه، ولا تطمئن القلوب إلا بذكره، ولا تزكو العقول إلا بمعرفته، ولا يُدرك النجاح، ولا يُبلغ الفلاح إلا بتوفيقه، ولا يستقيم ذو أَوَدٍ إلا بتقويمه، ولا يفهم أحد إلا بتفهيمه، ولا يتخلص من مكروه إلا برحمته، ولا يحفظ شيء إلا بكلاءته، ولا يفتتح أمر إلا باسمه، ولا يتم إلا بحمده، فأستفتح بالذي هو خير.
وآتَمِر بأمره فأصلي وأسلم على حبيبه ومصطفاه محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته، ومن جاهد في سبيل دعوته، ونهج نهجه واستار بسيرته، وسلك سبيل العلم يلتمس فيه من نوره، حتى يلقى الله وهو على ذلك.
وبعد، فقد شغلني منذ سنوات الدراسة الأولى في الدار الميمونة فهمي لعبارة تكررت على سمعي كثيرا، ألا وهي (القرآن حمّال أوجه) ، وزاد شغلي حينما علمني أساتذتي أن حركة إعرابية واحدة ينحو تغييرها بالنص منحىً آخر، ويغير أحكاما في الدين.
واستفزني فهم بعض الشواهد القرآنية وافتراق الأسلوب فيها من حيث رتبة البلاغة تبعا لاختلاف الحالة الإعرابية التي عليها الكلمة، ولا أكاد أنسى قول الله - تعالى - مصورا تبادل الملائكة وإبراهيم - عليهم السلام - التحية والسلام: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} [هود: 69] ، فلم أكن أفهم لماذا؟ وكيف كان سلام إبراهيم أبلغ في التحية، والاحتفاء، والإيناس من سلام الملائكة؟ فكان فهم ذلك مشكلًا علىّ كإشكال فهم الكلالة على عمر - رضي الله عنه-، وهو أعلى قدرا وأعلى محلا.
لهذا عقدت عزمي على استكمال دراستي في مراحلها العليا في كتاب الله - عز وجل- أولا، وفي فهم تراكيبه النحوية ومعرفة دلالاتها، واختلافها من قراءة لأخرى، سعيا في فهم كتاب الله وتعلمه، ولا سيما بعد عموم البلوى بهجران لغته، وشيوع النزعة إلى الاستغراب في لغة الكتابة والحديث اليومي، وكأن اللغة العربية صارت سمة على عهد بائد متخلف.