من شواهد ذلك التعدد بين الحال والنعت أيضًا ما جاء عند توجيه أبي السعود قوله - جل ذكره-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ} [الأحزاب: 53] .
ذكر أبو السعود لكلمة (غير) قراءتين [1] : أولاهما المشهورة وهي بالنصب، وثانيتهما قراءة بالجر [2] .
وجه أبو السعود القراءة بنصب (غير) على الحال من أحد شيئين [3] :
إما من فاعل (لا تدخلوا) وهو الواو [4] ، على أن الاستثناء واقع على الوقت والحال معًا. ذهب إليه الزمخشري [5] .
وإما من الضمير المجرور في (لكم) [6] .
أما جعل (غير) حالًا من الواو في (لا تدخلوا) فقد قيده أبو السعود بوقوع الاستثناء على الوقت، والحال معًا؛ حتى يستقيم المعنى وفق مراد الله - وهو أعلم بمراده-"كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين" [7] ؛ فوقع الاستثناء في الأول على الوقت وفي الثاني على الحال.
فالمقصود من الآية نهي المؤمنين عن دخول بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يدعوا إلى طعام غير منتظرين وقت نضجه؛ فالناظر هو المستنظر، و الإنى هو الوقت [8] .
على أن البعض قد رد القول بوقوع الاستثناء على الوقت والحال معًا لأن قوله (إلا أن يؤذن لكم) سيكون في معنى: (إلا وقت الإذن) ، فيلزم منه أن تكون (أَنْ) المصدرية في معنى الظرف، وقد نصوا على أن (أَنْ) المصدرية لا تكون في معنى الظرف [9] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 424، 425.
(2) قرأ جمهور العشرة بنصب (غير) ، وقرأها ابن أبي عبلة في الشاذ بالجر. انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 579، المحرر الوجيز لابن عطية 4/ 396، الجامع للقرطبي 17/ 202، البحر لأبي حيان 7/ 237.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 424.
(4) انظر: معاني الأخفش 2/ 284، معاني الزجاج 4/ 234، المحرر لابن عطية 4/ 396، البيان للأنباري 2/ 272، التبيان للعكبري 2/ 273 في أحد قوليه.
(5) انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 578.
(6) انظر: التبيان للعكبري 2/ 273 في قوله الثاني، البحر لأبي حيان 7/ 237.
(7) الكشاف للزمخشري 3/ 578.
(8) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 3/ 614.
(9) انظر: البحر لأبي حيان 7/ 237.