قلت: يغلب على ظني أن أبا السعود قد أصاب في اختياره أن تكون جملة (يحبهم ويحبونه) صفة لا اعتراضًا؛ فهي من حيث شكل التركيب يصلح أن تكون اعتراضًا حيث أقحمت بين جزأى صلة تمثلت في النعت ومنعوته [1] ، إلا أنها من حيث المعنى والمقام لا تصلح أن تكون، أو ربما تصلح بوجهٍ لكنَّ النعت أصلح.
فالجملة الاعتراضية هي التي تفيد تأكيدًا وتسديدًا للكلام الذي اعترضت بين أجزائه، وشرطها:
أن تكون مناسبة للجملة المقصودة بحيث تكون كالتأكيد، أو التنبيه على حال من أحوالها [2] .
ومقام الآية موطن الشاهد مقام تعداد صفات القوم الذين توعد الله - عزوجل- باستبدالهم بغيرهم ممن ارتد عن دينه دين الإسلام أو ممن خالف أمر الله في موالاة اليهود والنصارى من دون المؤمنين. فلما حظر الله على المؤمنين تولي اليهود والنصارى وبين عاقبة من صانعهم وسارع فيهم من المنافقين وأن ذلك ردّة عن الإسلام- شرع عزوجل في بيان صفات قوم يستبدلهم بمن ارتدوا عن دينهم معددًا صفاتهم [3] ، فهو (يحبهم) و (يحبونه) و (أذلة على المؤمنين) و (أعزة على الكافرين) إلى آخر صفاتهم المسوقة في الآية.
فإني أحسب أن وظيفة النعت أوفق للمعنى وللمقام من كون الجملة اعتراضًا لا محل له من الإعراب، وهي تختلف عن قوله (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) من حيث بروز المعنى النحوي لجملة الاعتراض كوظيفة إعرابية.
وأخيرًا القراءة الثانية وهي قراءة النصب ل (أذلة- أعزة) ، حيث ذهب أبو السعود مذهب غيره من المفسرين والمعربين وهو نصبهما على الحال من (قوم) [4] .
وقد جاز ذلك لأن (قوم) نكرة قربت من المعرفة لتخصصها بالصفة فصح أن تكونا حالين منها [5] .
(1) انظر: همع الهوامع للسيوطي 2/ 253.
(2) انظر: السابق الموضع نفسه.
(3) انظر: حدائق الروح لمحمد الأمين 7/ 346، 347.
(4) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 499، وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 39.
(5) تفسير أبي السعود 2/ 499. وانظر: البحر لأبي حيان 3/ 524، الدر للسمين 4/ 310، اللباب لابن عادل 7/ 393.