فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 519

لأنهما مفردتان [1] ، وهذا خلاف ما ذهب إليه البعض من وجوب تقدم الصفة الصريحة على غيرها متى اجتمعتا إلا في ضرورة الشعر؛ حيث يبتدأ في الصفة بالمفرد ثم الظرف أو عديله ثم الجملة كما في قوله - تعالى-: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28] ، فوصف بالصريح أولًا ثم بشبه الجملة (من آل فرعون) ثم بالجملة الفعلية (يكتم إيمانه) [2] .

وقد جاء في القرآن أيضًا ما يقضي بخلاف هذا في قوله -تبارك وتعالى-: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92] ، وقوله - عز اسمه-: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] ، وقوله - عز وعلا-: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [الشعراء: 5] ، فقد تقدمت فيها كلها الصفة غير الصريحة [3] ، وفي هذا دليل على بطلان من يعتقد وجوب تقديم الوصف بالاسم على الوصف بغيره إلا في ضرورة [4] .

وخرج بعض المفسرين هذه الآيات تخريجات أخرى تثبت وجوب تقديم الصفة الصريحة على غيرها؛ أما الآية موضع الشاهد فإن (يحبهم ويحبونه) تحتمل أن تكون جملة اعتراض لا صفة؛ لأن فيها تأكيدًا وتسديدًا للكلام، وجملة الاعتراض تقع بين الصفة وموصوفها كقوله - تعالى {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76] ، ف (عظيم) صفة ل (قسم) فصل بينهما الاعتراض ب (لو تعلمون) ، كما فصل بين (بقوم) وبين صفتهم وهي (أذلة- أعزة) بقوله (يحبهم ويحبونه) ، فعلى هذا لايكون لها محل من الإعراب [5] .

وأما الآيتان الأخريان فإن (مبارك) يحتمل أن تكون خبرًا بعد خبر، أو خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو مبارك، وكذلك (من ربهم) و (من الرحمن) يحتمل أن يكونا حالين مقدمتين من الضمير المستتر في (محدث) ، أي: محدث إنزاله حال كونه من ربهم [6] .

وقد رد أبو السعود هذه التخريجات جميعًا وعدها من قبيل التكلف، قال:"وما ذهب إليه من لايجوزه [7] من أن قوله - تعالى-: (يحبهم ويحبونه) كلام معترض، وأن (مبارك) خبر بعد خبر أو لمبتدأ محذوف، وأن (من ربهم) و (من الرحمن) حالان مقدمتان من ضمير (محدث) تكلف لا يخفى" [8] .

(1) انظر: البحر لأبي حيان 3/ 524، اللباب لابن عادل 7/ 391.

(2) انظر: البحر لابن حيان 3/ 524، الدر المصون للسمين 4/ 308.

(3) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 499.

(4) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3/ 524.

(5) الدر المصون للسمين 4/ 308.

(6) انظر: الدر المصون للسمين 4/ 309، اللباب لابن عادل 7/ 392.

(7) يقصد من لايجوز تقدم الصفة غير الصريحة على الصريحة في غير ضرورة شعرية.

(8) تفسير أبي السعود 2/ 499.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت