وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 163، 164] .
ذكر أبو السعود أن (رسلا) الأولى منصوبة بمضمر يدل عليه (أوحينا) معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه كما قبله، أي: وكما أرسلنا رسلا، و (رسلا) الثانية معطوفة على الأولى منصوبة بناصبها [1] .
وقد ردّ أبو السعود قول من قال إن (رسلا) الأولي منصوبة بما يفسره قوله {قَدْ قَصَصْنَاهُمْ} [النساء: 164] والثانية معطوفة عليها، وكذلك أن يكونا منصوبين على نزع الخافض، والتقدير: كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل إلخ.
قال - رحمه الله:"والحق أن يكون انتصابهما ب (أرسلنا) ، فإن فيه تحقيقا للمماثلة بين شأنه - صلى الله عليه وسلم - وبين شئون من يعترفون بنبوته من الأنبياء - عليهم السلام - في مطلق الإيحاء ثم في إيتاء الكتاب ثم في الإرسال؛ فإن قوله - تعالى: (إنا أوحينا إليك) منتظم لمعنى (آتيناك) و (أرسلناك) حتما [2] ."
وعليه، فإن (رسلا) لا يمكن نصبه ب (قصصنا) ؛ فإن ناصبه يجب أن يكون معطوفا على (أوحينا) داخلا معه في حكم التشبيه الذي يدور عليه فلك الاحتجاج على الكفرة، ولا ريب في أن (قصننا) لا تعلق له بشيء من الإيحاء والإيتاء حتى يمكن اعتباره في ضمن قوله (إنا أوحينا إليك) [3] .
على أن تقدير (قصصنا) ناصبا ل (رسلا) الأولى يقتضي تقدير نفيه في الثانية"وذلك أشد استحالة وأظهر بطلانا" [4] .
فإن تناسب الآى وتوافق المعنى اللازم للوجه الإعرابي مع الآيات كلها بوصفها متتابعة في سياق واحد هو ما دفع أبا السعود لرد بعض الأوجه واختيار ما يحقق الترابط ويصيب المعنى، وأحسب أن اختياره أقرب إلى الصواب، والله أعلم بوجهه.
وفي قوله - عز وجل-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101] .
ذكر أبو السعود أن جملة (عفا الله عنها) استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة، بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها، والضمير في (عنها) للمسألة المدلول عليها ب
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 406.
(2) السابق 2/ 406.
(3) تفسير أبي السعود 2/ 407.
(4) انظر: السابق 2/ 407.