(لا تسألوا) ، أي: عفا الله - تعالى - عن مسائلكم السالفة؛ حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاءً بمسألتكم، وتجاوز عن عقوبتكم [1] .
ورد - رحمه الله - أن تكون الجملة في محل جر صفة أخرى ل (أشياء) على أن يكون الضمير في (عنها) لها بمعنى: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلفكم إياها، فهذا مما لا سبيل إليه أصلا؛ لأنه يقتضي أن يكون الحج قد فرض أولا في كل عام ثم نسخ بطريق العفو، وأن يكون ذلك معلومًا للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن يكون معلوم الثبوت والانتساب للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفا له، وكلاهما ضروري الانتفاء قطعا [2] .
هذا فضلا عن أن جعل الجملة صفة يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج [3] مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوؤهم إبداؤها [4] . فجعل الجملة في محل الصفة أدى لمعنى خلاف المقصود من الآية لهذا ردّه أبو السعود.
وفي قوله - عز وعلا-: {لمص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 1، 2] .
ذكر أبو السعود أن قوله (لتنذر به) متعلق ب (أنزل) ، وما بينهما اعتراض توسط بينهما تقريرا لما قبله وتمهيدا لما بعده [5] .
وقد نقل وجها آخر وخطأه، حيث يتعلق (لتنذر به) بالنهي في قوله (فلا يكن) ، فإن انتفاء الشك في كونه منزلا من عنده - تعالى - موجب للإنذار به قطعا.
قال - رحمه الله:"وأنت خبير بأنه لا يتأتى؛ لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكير - مع إيهامه لإمكان صدوره عنه عليه الصلاة والسلام - مشعر بأن المنهي عنه ليس محذورا لذاته، بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته، ولا ريب في فساده" [6] .
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 554.
(2) السابق 2/ 554.
(3) وهو سبب نزول الآية؛ حيث ألحف بعض الصحابة في السؤال عن فرضية الحج كل عام فنزلت. انظر: تفسير أبي السعود 2/ 552، 553.
(4) تفسير أبي السعود 2/ 554.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 157.
(6) السابق 3/ 157 بتصرف يسير.