فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 519

قال أبو السعود:" (إن أردت أن أنصح لكم) شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه، والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، وهذه الجملة دليل على ما حذف من جواب قوله: (إن كان الله يريد أن يغويكم) والتقدير: إن كان يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاء على الشرط" [1] .

فكأن في الكلام تقديم وتأخير، فالشرط الأول في الآية هو الثاني من حيث المعنى والتقدير، وهو وجوابه جواب للشرط الأول في التقدير السابق وفقا لما ذهب إليه البصريون من عدم جواز تقدم الجواب على الشرط.

"وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله - عز وعلا-: (ولا ينفعكم نصحي) جزاء للشرط الأول، والجملة جزاء للشرط الثاني" [2] .

وأبو السعود وإن لم يكن قد صرح بالرأي الراجح عنده في الآية السابقة، إلا أنه في مواطن مشابهة اكتفى بذكر رأي المدرسة البصرية كوجه واحد في الآية دون أن ينص علي رأي الكوفيين فيها كما في قوله - عز وجل-: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 93] ، وفي قوله - عز وعلا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ، فقد وجّه الآيتين على حذف جواب الشرط فيهما اكتفاء بدلالة المذكور عليه، فالتقدير في الآية الأولي: إن كنتم مؤمنين فبئسما يأمركم به إيمانكم، وفي الثانية: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوه إلى الله والرسول [3] .

ومما نص فيه على وجه واحد في الإعراب ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] .

فقد سبق قريبا في آخر آية من سورة النساء ذكر أبي السعود لرأي البصريين والكوفيين دون ترجيح أحدهما، وقد تكرر ذلك في آيات أخر اجتزأت عنها بما ذكر، إلا أنه في هذا الموطن نص على رأي البصريين كوجه واحد في الإعراب، قال: (أن تقولوا) تعليل لمجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالبيان على حذف المضاف، أي: كراهة أن تقولوا معتذرين عن تفريطكم في مراعاة أحكام الدين ما جاءنا بشير ولا نذير" [4] ."

(1) تفسير أبي السعود 4/ 36.

(2) السابق نفسه.

(3) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 243، 2/ 311.

(4) السابق 2/ 450.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت