فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 519

هذا هو التركيب والمعنى اللازم له وفقا لما تقتضيه قواعد النحو، وقد علق أبو السعود على ذلك المعنى بقوله:"ولا ريب في أن ذلك ليس مما يقتضيه المقام أصلًا، وإنما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل آدم - عليه السلام - خليفة فيها كما يعرب عنه جواب الملائكة عليهم السلام" [1] .

وعليه، فإن جعل المفعول الأول (خليفة) والثاني (في الأرض) لا يفي بما يقتضيه المعنى والمقام وفقا لما أوضحه أبو السعود، والأوفى بحق المقام - وهو اختياره رحمه الله - أن يكون (خليفة) مفعولا ثانيًا، و (في الأرض) متعلق ب (جاعل) قدم على المفعول الصريح لما فيه من التشويق للمؤخر أو متعلق بمحذوف وقع حالا من (خليفة) لكونه نكرة، وأما المفعول الأول فمحذوف تعويلا على القرينة الدالة [2] .

فإما أن يكون الحذف قد حصل عند وقوع المحكي كأنه قيل: إني خالق بشرا من طين وجاعل في الأرض خليفة، فالقرينة واضحة لوقوع الكلام أثناء ذكر آدم - عليه السلام -، وإما أنه لا حذف وقع هناك كأنه قيل مثلا: وجاعل إياه خليفة في الأرض لكنه حذف عند الحكاية، فالقرينة ما ذكر من جواب الملائكة [3] ، يعني قوله - تعالى-: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] ، فكأن تقدير المفعول الأول المحذوف (بشرًا) أو ضمير عائد عليه كما يستفاد من التقديرين المقترحين لدى أبي السعود.

وعين ما قيل في الجعل الأول قيل في الثاني أعني قوله: (أتجعل فيها من يفسد) ، فمقتضى القواعد أن يكون (فيها) المفعول الثاني و (من يفسد) الأول، إلا أن الأظهر عند أبي السعود أن يكون المفعول الأول (مَنْ) ، والثاني محذوف ثقة بما ذكر من الكلام السابق، كما حذف الأول ثمة تعويلا على ما ذكر هنا [4] ؛ يقصد أن جواب الملائكة هنا كان قرينة على المفعول الأول المحذوف هناك، فالكلام عند أبي السعود يأخذ السابق منه بحجرة اللاحق، فهو ضفيرة محكمة الجدل.

قال أبو السعود:"وأنت خبير بأن مدار تعجبهم ليس خلق من يفسد في الأرض، كيف لا؟ وإن ما يعقبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقيتهم منه يقضي ببطلانه حتما، إذ لا صحة لدعوى الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون، بل مداره أن يستخلف بعمارة الأرض وإصلاحها بإجراء أحكام الله - تعالى - وأوامره مَنْ مِنْ شأن بني"

(1) تفسير أبي السعود 1/ 166.

(2) انظر: السابق 1/ 167.

(3) انظر: السابق نفسه.

(4) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت