فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 519

نوعه الإفساد وسفك الدماء" [1] . فيفهم من قوله أن التقدير: أتجعل من يفسد خليفة في الأرض. والله أعلى وأعلم بمراده."

ومما صرح فيه بمخالفة الجمهور ما جاء في قوله - عز اسمه-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] .

ذهب أبو السعود إلى أن همزة الاستفهام في الآية لإنكار النفي وتقرير المنفي، والمعنى: ألم تنظر أو ألم ينته علمك إلى هذا الطاغوت المارد كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، أي: قد تحققت الرؤية وتقررت بناءً على أن أمره من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على من له حظ من الخطاب [2] .

أما الجمهور فقد ذهب إلى أن الهمزة للتعجيب، قال أبو السعود: وأما جعل الهمزة لمجرد التعجيب على أن يكون المعنى: ألم تنظر إلى الذي حاج إلخ أي: انظر إليه وتعجب من أمره إيذانا بأن حاله وما جرى عليه في الغرابة بحيث لا يرى له مثل كما استقر عليه الجمهور - فغير خليق بجزالة التنزيل وفخامة شأنه الجليل، فتدبر [3] .

وأحسب - والله أعلم بالمراد - أن المعنى اللازم لما ذهب إليه الجمهور من كون الهمزة للتعجيب أقرب إلى الذهن وإلى الذوق مما ذهب إليه أبو السعود.

ومثل ما سبق في مخالفة أبي السعود الجمهور ما جاء في قوله - تبارك وتعالى-: ... {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

ذهب أبو السعود إلى أن جملة (ربنا ما خلقت هذا باطلا) في حيز النصب بقول مقدر، والقول ومقوله استئناف لا محل له من الإعراب مبين لنتيجة التفكر، فإن النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم بأولي الألباب، ووصفهم بذكر الله على تلك الأحوال والتفكر في خلقه - تبقى مترقبة لما يظهر منهم من آثارها، كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وماذا يترتب عليه؟ فقيل: يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا ... إلخ [4] .

(1) السابق نفسه بتصرف يسير. فصل أبو السعود القول في شبه الجملة في هذه الآية ومثيلاتها مما يشتبه فيه الأمر فيظن أن الظرف فيه عمدة مقصودا في الكلام، والحق أنه قيد فيه غير مقصود بالذات، يرجع إلى النص كاملا تفسير أبي السعود 3/ 4، 5 تفسير الآية الأولى من سورة الأنعام.

(2) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 441.

(3) السابق 1/ 442 بتصرف.

(4) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت