أما الجمهور فقد جعل القول المقدر في محل نصب حال من الضمير المستكن في الفعل، وقد علق أبو السعود على ذلك الوجه بقوله:"فلا يساعده جزالة النظم الكريم، لما أن ما في حيز الصلة وما هو قيد له حقه أن يكون من مبادئ الحكم الذي أجري على الموصول ودواعي ثبوته، كذكرهم الله - عز وجل - في عامة أوقاتهم وتفكرهم في خلق السماوات والأرض، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآيات والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب في أن قولهم ذلك ليس في مبادئ الاستدلال المذكور بل من نتائجه المترتبة عليه، فاعتباره قيدا لما في حيز الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل" [1] .
ومما خالف فيه الجمهور لداعي المعنى وتجاوب أطراف النظم ما جاء في قوله - عز وعلا-: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162] .
خالف أبو السعود الجمهور في تحديد الركنين الرئيسين من الجملة في الآية الكريمة- أعني المبتدأ والخبر - بما أدى في النهاية إلى اختلاف الصورة النهائية للمعنى المقصود بيانه من الآية في سياقها مع غيرها من الآيات السابقة عليها.
فأبو السعود يرى أن (الراسخون) مبتدأ خبره جملة (أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) ، وما بينهما من جملة (يؤمنون بما أنزل إليك) حال من المؤمنين أو اعتراض بين المبتدأ وخبره [2] .
أما الجمهور فيرى أن خبر (الراسخون) هو جملة (يؤمنون بما أنزل إليك) . وقد ذهب أبو السعود إلى ما ذهب إليه لأنه أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك؛ حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم، كأنه قيل إثر قوله - تعالى- في الآية السابقة على تلك: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 161] ، لكن المؤمنون منهم سنؤتيهم أجرا عظيما [3] .
قال أبو السعود:"وأما ما جنح إليه الجمهور من جعل قوله - تعالى: (يؤمنون بما أنزل إليك) خبرا للمبتدأ ففي كمال السداد أنه غير متعرض لتقابل الطرفين" [4] .
كذلك خالف أبو السعود الجمهور فيما جاء في قوله - عز وجل-: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]
(1) السابق 2/ 207.
(2) انظر: السابق 2/ 405.
(3) السابق 2/ 405.
(4) السابق نفسه.