فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 519

فجملة (إن ارتبتم) جملة معترضة بين القسم وجوابه سبقت من جهة الله - عز وجل - تنبيها على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب بالشاهدَيْن [1] ، وعليه، فلا يستقيم أن يسد جواب القسم مسد جواب الشرط لما يفضى إليه من جعل كليهما من كلام الشاهدَيْن وليس كذلك المراد. والله أعلى وأعلم.

وكذلك قوله - عز وعلا-: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 83، 84] .

جعل أبو السعود جملة (ووهبنا) معطوفة على قوله: (وتلك حجتنا) وحظر عطفها على قوله (آتيناها) . قال - رحمه الله:" (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) عطف على قوله (وتلك حجتنا) ، فإن عطف كل من الجملة الفعلية والاسمية على الأخرى مما لا نزاع في جوازه، ولا مساغ لعطفه على (آتيناها) لأن له محلا من الإعراب نصبا ورفعا حسبما بُيِّن من قبل [2] ، فلو عطف هذا عليه لكان في حكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ولا سبيل إليه ههنا" [3] .

ومنه أيضا قوله - تبارك وتعالى-: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] .

قال - رحمه الله-:" (جاثمين) خبر ل (أصبحوا) والظرف متعلق به، ولا مساغ لكونه خبرا و (جاثمين) حالا؛ لإفضائه إلى كون الإخبار بكونهم في دارهم مقصودا بالذات وكونهم جاثمين قيدا تابعا له غير مقصود بالذات" [4] .

فقد احترز أبو السعود من جعل شبه الجملة خبرا و (جاثمين) حالا - بالرغم من جواز ذلك من حيث القاعدة النحوية - لما يفضى إليه هذا التركيب من جعل العمدة في الكلام فضلة وقيدا غير مقصود بالذات؛ حيث إن المقام يقتضي الإخبار بإصباحهم جاثمين تعجيلا لبيان عاقبة كفرهم وتكذيبهم، لا بيان أنهم أصبحوا في دارهم على أيَّة هيئة كانوا.

ومنه أيضا ما جاء في قوله - عز اسمه-: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60، 61] .

(1) انظر: السابق 2/ 560، 561.

(2) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 80.

(3) السابق نفسه.

(4) السابق 3/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت