ذكر أبو السعود أن قوله (ملعونين) منصوب إما على الشتم أو على الحال على أن يكون الاستثناء في (إلا قليلا) واردًا عليه أيضا. ثم قال:"ولا سبيل إلى انتصابه عن قوله: (أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) ؛ لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها" [1] ، فاحتراز أبي السعود منه لما فيه من مخالفة القواعد النحوية وإن كان سائغًا معنىً. والله أعلى وأعلم.
ومثله ما جاء في قوله - تعالى وعز-: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات: 6 - 8] .
اختار أبو السعود في توجيه قوله (لا يسمعون إلى الملإ الأعلى) أن يكون كلامًا مبتدأ سيق لبيان حال الشياطين بعد بيان حفظ السماء عنهم للتنبيه على كيفية الحفظ وعلى ما يعتريهم في أثناء ذلك من العذاب [2] .
وقد نبه - رحمه الله - على أكثر من وجه منعه، فقال:"ولا سبيل إلى جعله صفة ل (كل شيطان) ، ولا جوابا عن سؤال مقدر لعدم استقامة المعنى، ولا علةً للحفظ على أن يكون الأصل: (لئلا يسّمعوا) فحذفت اللام كما حذفت من قولك: جئتك أَنْ تكرمَنى، فبقي (أَنْ لا يسمعوا) ثم تحذف (أَنْ) ويُهَدر عملها كما في قول من قال:"
ألا أيُّهذا الزاجرى أحضَر الوغى [3] .
لما أن كل واحد من ذينك الحذفين غير منكر بانفراده، فأما اجتماعهما فمن أنكر المنكرات التي يجب تنزيه ساحة التنزيل الجليل عن أمثالها" [4] ."
فاحتراز أبي السعود من الوجهين الأولين لما يفضيان إليه من عدم استقامة المعنى، واحترازه من الأخير لما فيه من حذف مركب مستنكر لا يليق مثله بالقرآن الكريم، كما رأى هو رحمه الله.
(1) السابق 5/ 429.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 5/ 519.
(3) بقية البيت (وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي) وهو من شواهد الكتاب لسيبوبه، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، ط/3، 1408 ه- 1988 م،3/ 99، 100، وانظر: شرح أبيات سيبويه لأبي جعفر النحاس، تحقيق زهير غازي زاهد، عالم الكتب، ط/2، 1430 ه-2009 م، ص: 169، وانظر: شرح أبيات سيبويه للسيرافي، تحقيق محمد الرَّيح هاشم، دار الجيل، ط/1، 1416 ه-1996 م، 2/ 50، وانظر: أمالي ابن الشجري لهبة الله على بن حمزة العلوي، تحقيق ودراسة محمود الطناحي، مكتبة الخانجي، ط/1، 1413 ه - 1992 م، 1/ 124.
(4) تفسير أبي السعود 5/ 519.