أذكر من ذلك ما جاء في قول الله - عز اسمه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء: 44] .
نقل أبو السعود عدة أوجه في إعراب جملة (يشترون الضلالة) أحدها أنها في محل نصب حال مقدرة من واو (أوتوا) ، وقد عقب عليه بأن اعتبار تقدير اشترائهم المذكور في الإيتاء مما لا يليق بالمقام، وثانيها أنها حال من الموصول أي: ألم تنظر إليهم حال اشترائهم، وقال فيه:"وأنت خبير بأنه خالٍ عن إفادة أن مادة التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور وما عطف عليه" [1] .
واختار - رحمه الله - أن تكون جملة (يشترون الضلالة) استئنافية لا محل لها من الإعراب، قال:"والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أنه استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من صدر الكلام على وجه الإجمال والإبهام، مبني على سؤال نشأ منه كأنه قيل: ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم، فقيل: يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية" [2] .
ومثل ما سبق ما جاء في قوله - تعالى وعز-: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] .
اختار أبو السعود أن تكون (مَنْ) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير إليه بكلمة (ذلك) أي: دين من لعنه الله، أو بتقدير مضاف قبلها مناسب ل (مَن) أي: بشرّ من أهل ذلك، وعلى أي من التقديرين فالجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الجملة الاستفهامية إما على حالها، وهو الظاهر المناسب لسياق النظم الكريم، وإما باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل: ما الذي هو شر من ذلك فقيل: هو دين من لعنه الله إلخ، أو قيل: من ذا الذي هو شر من أهل ذلك، فقيل: هو من لعنه الله [3] .
وقد رد أبو السعود قول من قال إن (مَنْ) في محل جر بدل من (شر) ؛ لأن ذلك الوجه يقتضي إخلاء النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة، فهو مما لا سبيل إليه قطعا. وقد استدل على رده بأسباب:
(1) تفسير أبي السعود 2/ 294.
(2) السابق نفسه.
(3) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 503.