و (الظالمين) مفعول به، فليس فيها تقديم أو تأخير، أما قراءة الرفع ف (الظالمون) فاعل مؤخر، و (عهدي) مفعول به مقدم اهتمامًا به ورعاية للفواصل [1] ، فتقديمه غير واجب كما في الشاهد السابق.
والمعنى على القراءتين يكاد يكون واحدًا؛ حيث إن كل ما نالك فقد نلته كما تقول: نلت خيرك، ونالني خيرك [2] ، فكذلك العهد، أي: عهدي لايصل إلى الظالمين، أو لا يصل الظالمون إليه ولا يدركونه [3] .
ف (نال) من الأفعال التي يتجاذب معناها بين الفاعل والمفعول؛ فيجوز أن يكون ما بعدها فاعلًا لها، أو مفعولًا به، ويسمى هذا أيضًا بالمشاركة في الفعل [4] .
ومن شواهده كذلك ما جاء في قوله - عز من قائل-: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} [يونس: 27] .
قرئت كلمة (قطعًا) بفتح الطاء وإسكانها منصوبة، أي: (قِطَعًا) و (قِطْعًا) [5] .
وقرئ أيضًا: (كأنما يَغشَى وجوههم قِطْعٌ) [6] بإسكان الطاء والرفع، وتغيير صيغة الفعل من البناء للمفعول (أُغْشِيَتْ) إلى البناء للفاعل من الثلاثي (يَغْشىَ) [7] .
و (قِطَعًا) بفتح الطاء جمع قِطْعة، أما (قِطْعًا) بإسكان الطاء فهي اسم لما قُطِعَ، وتعني في الآية بعض الليل وطائفة منه في حال ظلمته [8] ، وقيل: ظلمة آخر الليل وسواده [9] .
(1) تفسير أبي السعود 1/ 283. وانظر: التبيان للعكبري 1/ 92.
(2) معاني القرآن للفراء 1/ 76، إعراب القرآن للنحاس ص: 62، التبيان للعكبري 1/ 92.
(3) البحر المحيط لأبي حيان 1/ 548.
(4) انظر: تعدد التوجيه النحوي: مواضعه، أسبابه، نتائجه لمحمد حسنين صبرة، دار غريب، ط/1، 2008 م، ص: 239.
(5) قرأ ابن كثيروالكسائي ويعقوب (قِطْعًا) بإسكان الطاء، وقرأ الباقون بفتحها (قِطَعًا) . انظر: المبهج لسبط الخياط 2/ 527، النشر لابن الجزري 2/ 283، شرح الطيبة لابن الجزري ص: 248، الإتحاف للبنا 2/ 108، المغني لمحيسن 2/ 229.
(6) قرأ (قِطْعٌ) بإسكان الطاء والرفع أبي بن كعب. انظر: جامع البيان للطبري 12/ 169، مختصر في الشواذ لابن خالويه ص: 61.
(7) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 492.
(8) انظر: غريب القرآن المسمى: نزهة القلوب لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني، عني بتصحيحه لجنة من أفاضل العلماء، مطبعة محمد على صبيح وأولاده، د/ط، 1382 ه-1963 م، ص: 165، تفسير المشكل من غريب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق على حسين البواب، مكتبة المعارف بالرياض، د/ط، 1406 ه-1985 م، ص: 102، العمدة في غريب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي، شرح وتعليق يوسف عبدالرحمن المرعشلي، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1401 ه-1981 م، ص:152.
(9) انظر: الإتحاف للبنا 2/ 108، المغني لمحيسن 2/ 229.