وإما النصب على مذهب سيبويه [1] ؛ حيث يفضي الفعل إليه بنفسه بعد حذف الجار [2] . فالفعل (استحيَى) مما يتعدى بنفسه وبالحرف، فيقال: استحييته واستحييت منه والآية تحتملهما [3] .
فقد يحذف حرف الجر تخفيفا في بعض الاستعمال فيصل الفعل بنفسه فيعمل، من ذلك قوله - تعالى-: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف: 155] [4] ، ونحو: استغفرت الله ذنبا، وأمرت زيدًا الخير [5] ، فأصل الكلام: من قومه، من ذنب، بالخير.
ومن أمثاله مما جاء في تفسير أبي السعود قوله - عز وجل-: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] .
قال أبو السعود:"والأصل: (في أن يؤمنوا) وهي مع ما في حيزها في محل النصب أو الجر على الخلاف المعروف" [6] .
فأصل الكلام: أفتطمعون في أن يؤمنوا، فحذف حرف الجر (في) ؛ حيث يكثر حذف حرف الجر مع (أَنْ) الناصبة للفعل، و (أَنّ) المشددة الناصبة للاسم، فإنهما لما طالتا مع صلتهما جاز معهما حذف حرف الجر تخفيفا، نحو: أنا راغب في أَنْ ألقاك، وأنا حريص في أنك تحسن إلىّ، فيجوز حذف الحرف مع كلٍّ [7] .
وعليه، فإن المصدر المؤول (أن يؤمنوا) إما في محل الجر ببقاء عمل الحرف بعد حذفه، وإما في محل النصب ب (تطمعون) بإفضائه إليه بعد حذف الحرف.
ومثل الشاهد السابق ما جاء في قوله - جل ذكره-: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 232] .
(1) انظر: البحر لأبي حيان 1/ 265.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 1/ 151، وانظر: المفصل للزمخشري ص:395، شرح المفصل لابن يعيش 8/ 52.
(3) انظر: البحر لأبي حيان 1/ 265، روح المعاني للألوسي 1/ 206.
(4) انظر: المفصل للزمخشري ص:395.
(5) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 8/ 50.
(6) تفسير أبي السعود 1/ 220.
(7) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 8/ 51.