وقد شمل الحذف في تفسير أبي السعود أبوابا كثيرة ستقتصر الباحثة هنا على باب واحد منها هو حذف المفعول به.
حذف المفعول به قصدا إلى إثبات مطلق معنى الفعل:
يكون حذف المفعول من التركيب على جهتين:
الجهة الأولى: أن يحذف على جهة الاطِّراد، وُينسى فعله، ويُجْعل كأنه من جملة الأفعال اللازمة، فلا يكون المفعول مُرادا لا لفظا، ولا تقديرا، ومثاله قوله - تعالى-: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) } [1] [النجم/43، 44] .
الجهة الثانية: أن يحذف من جهة اللفظ، ولكنه يكون مرادا من جهة المعنى والتقدير، ومثاله قوله - تعالى-: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص/23] ، فتقدير الأفعال في الآية: يسقون مواشيهم، وتذودان أغنامهما، ونسقي مواشينا [2] .
والبحث هنا معنى بالحديث عن أولى الجهتين فقط لحذف المفعول؛ فالحديث عن الحذف وأثره ذو شجون، ومادته في تفسير أبي السعود متشعبة، لا تكاد تستوعبها وتفي بها نقطة تُساق على سبيل الاختصار.
إن الفارق بين قولك: (ضربَ زيدٌ) و (ضرب زيدٌ عمرًا) ، أن الأول كان الغرض منه أن تثبت الضرب فعلا للفاعل، أما الثاني فكان الغرض منه أن تثبت التباس الضرب الواقع من الفاعل بالمفعول، ووقوعه عليه [3] .
"فأغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية، فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها للفاعلين، من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين. فإذا كان الأمر كذلك، كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا، في أنك لا ترى له مفعولا لا لفظا ولا تقديرا" [4] .
ومثال ذلك قولك: (فلان يعطى ويمنع، ويأمر وينهى، ويَقري ويُضيف) ، فإن المقصود إثبات المعنى في نفسه على الإطلاق، من غير تعرض لحديث عن المفعول، حتى كأنه قيل: صار بحيث يكون منه المنع والعطاء و ... [5] .
(1) انظر: الطراز للعلوى 2/ 56.
(2) انظر: الطراز للعلوى 2/ 56، 57.
(3) انظر: دلائل الإعجاز لعبدا لقاهر ص: 153.
(4) السابق ص:154.وانظر: المثل السائر لابن الأثير 2/ 291.
(5) انظر: السابقين من الموضع نفسه.