أما قراءة الرفع فقد ذهب أبو السعود- كغيره من العلماء- إلى رفع (عالم) خبرًا لمبتدأ محذوف [1] ، والتقدير: هو عالم الغيب والشهادة. [2]
وأكثر النحويين البصريين والكوفيين يذهبون إلى أن الرفع أولى؛ فحجة البصريين أن قبله رأس آية وقد تم الكلام فالابتداء أحسن، وحجة الكوفيين أن الرفع أولى؛ لأنه لو كان مخفوضًا لكان بالواو فكان يكون (عالم الغيب وتعالى) ، فلما كان (فتعالى) كان الرفع أولى. [3]
فالرفع على انقطاع الكلام مما قبله والابتداء به، والجر على اتصال الكلام بما قبله؛ ولهذا حسنه البعض حتى يكون الكلام من وجهٍ واحد. [4]
وذلك يفسر مسلك بعض القراء في القراءة برفع (عالم) عند الابتداء بها فقط، أما الخفض فإن له أن يصلها بما قبلها وأن يبتدئ بها. [5]
ومن شواهد هذا التعدد أيضًا ما جاء عند توجيه أبي السعود قوله - جل وعز-: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} [النبأ: 36، 37] .
ذكر أبو السعود لكلمة (رب) قراءتين [6] : أولاهما بالجر، والثانية بالرفع. [7]
أما قراءة الجر فقد جعل أبو السعود (ربِّ) مجرورة بدلًا من (ربك) في قوله - تبارك وتعالى-: (جزاءً من ربك عطاءً حسابا) [8] ، والرحمن مجرورة صفة ل (رب) [9] ، وفي ذكر ربوبيته -تعالى- للكل ورحمته
(1) تفسير أبي السعود 5/ 80. وانظر: الكشاف للزمخشري 3/ 261، المحرر لابن عطية 4/ 154، البيان للأنباري 2/ 188، التبيان للعكبري 2/ 214، إعراب القرآن للدرويش 5/ 224.
(2) التبيان للعكبري 2/ 214.
(3) إعراب النحاس ص: 640.
(4) انظر: المحرر لابن عطية 4/ 154، البحر لأبي حيان 6/ 386 فيما نقلاه عن الأخفش.
(5) قرأ رويس أحد راويي يعقوب (عالمِ) بالخفض وصلًا، وله حالة البدء وجهان: الرفع والخفض. انظر: المغني لمحيسن 3/ 66.
(6) انظر: تفسير أبي السعود 6/ 463.
(7) قرأ ابن عامر ويعقوب والكوفيون بخفض الباء والباقون برفعها. انظر: النشر لابن الجزري 2/ 379، شرح الطيبة له أيضًا ص: 326، الإتحاف للبنا 2/ 584، البدور الزاهرة للقاضي 2/ 953.
(8) انظر: الحجة لابن خالويه ص: 362، مشكل مكي 2/ 453، البيان للأنباري 2/ 491.
(9) انظر: البيان 2/ 491، البحر لأبي حيان 8/ 470، روح المعاني للألوسي 30/ 19.