وقد رجح أبو السعود الوجه الأول بقوله:"والأول هو الأظهر لما سيأتي من قوله (فإن اعتزلوكم) إلخ؛ فإنه صريح في أن كفهم عن القتال أحد سبَبَيْ استحقاقهم لنفي التعرض لهم" [1] .
ومثل ما سبق ما في قوله - عز وجل-: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14] .
ذكر أبو السعود في عَوْد الضمير في (لكم) ثلاثة أوجه [2] :
الوجه الأول: أن يكون عائدًا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجمع للتعظيم.
الوجه الثاني: أن يكون الضمير للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين لأنهم أتباع له - صلى الله عليه وسلم - في الأمر بالتحدي.
الوجه الثالث: جوز أبو السعود أن يكون الخطاب للمشركين مسوقا من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلا تحت الأمر بالتحدي، والضمير في (لم يستجيبوا) ل (مَنْ استطعتم) في الآية قبلها: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] أي: فإن، لم يستجب إليكم آلهتكم فاعلموا أن القرآن منزل من خالق القوى والقدر [3] .
وقد رجح - رحمه الله - الوجه الأول بقوله:"والأول أنسب لما سلف من قوله تعالى: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] ، ولما سيأتي من قوله تعالى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [هود: 17] ، وأشد ارتباطا بما يعقبه كما ستحيط به خبرا."
وعليه، فإن أبا السعود قد استند في ترجيحه - في هذا الشاهد والسابق عليه - إلى السياق بسباقه ولحاقه، فقد رجح كون الضمير للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن مساق الآى فيما سبق ولحق على الخطاب له عليه الصلاة والسلام.
كذلك مما رجح فيه قوله - عز اسمه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104] .
ذكر أبو السعود أن جملة (وهم يحسبون) حال من فاعل (ضل) أي: بطل سعيهم المذكور والحال أنهم يحسبون أنهم يحسنون في ذلك وينتفعون بآثاره، أو حال من المضاف إليه لكونه في محل الرفع نحو قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [يونس: 4] ، أي: بطل سعيهم والحال أنهم إلخ. والفرق بينهما أن المقارن لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلال سعيهم وفي الثاني نفس سعيهم، والأول أدخل في بيان خطئهم [4] .
(1) تفسير أبي السعود 2/ 342.
(2) انظر: السابق 4/ 18.
(3) تفسير أبي السعود 4/ 18.
(4) تفسير أبي السعود 4/ 536، 537.