وكذلك ما جاء في قوله - عز وعلا: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 90، 91] .
ذكر أبو السعود - رحمه الله - عدة أوجه في محل (أن دعوا) فقال إنه منصوب على حذف اللام المتعلقة ب (تكاد) أو مجرور بإضمارها، أي: تكاد السماوات يتفطرن والأرض تنشق والجبال تخر لأن دعوا له سبحانه ولدا، أو تكون تلك اللام متعلقة ب (هدًّا) ، أو أن الجملة بدل من الضمير المجرور في (منه) ، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الموجب لذلك أن دعوا إلخ، أو فاعل المصدر (هدًّا) ، أي: هدها دعاء الولد [1] . قال - رحمه الله-:"والأول هو الأولى" [2] .
وكذلك ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} [لقمان: 8] . ذكر أبو السعود أن جملة (لهم جنات) خبر (إن) ، إلا أن الأحسن لديه أن يكون (لهم) وحده هو الخبر ل (إن) و (جنات النعيم) مرتفعة به على الفاعلية [3] .
وما جاء في قوله - عز وعلا-: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1] . ذكر أبو السعود في توجيه شبه الجملة (من الله) عدة أوجه؛ فقد يكون صلة للتنزيل، أو خبرا ثانيا للمبتدأ المحذوف وخبره الأول (تنزيل) والتقدير: هذا تنزيل أو هو - أي القرآن - تنزيل إلخ [4] .
وقد يكون حالا من التنزيل عاملها معنى الإشارة أو من (الكتاب) الذي هو مفعول معنىً عاملها المضاف، أو يكون خبرا ل (تنزيل الكتاب) .
قال - رحمه الله-:"والوجه الأول أوفى بمقتضى المقام الذي هو بيان أن السورة أو القرآن تنزيل الكتاب من الله - تعالى -، لا بيان أن تنزيل الكتاب منه تعالى لا من غيره كما يفيده الوجه الأخير" [5] .
هذا وقد ورد في تفسير أبي السعود نماذج عدة مما رجح فيه بعض الأوجه على غيرها مما يجوز في التركيب أجتزئ عنها بالقليل السابق خشية الإملال [6] .
(1) انظر: السابق 4/ 583.
(2) تفسير أبي السعود 4/ 583.
(3) انظر: السابق 5/ 367.
(4) انظر: السابق 5/ 582.
(5) السابق 5/ 582.
(6) انظر: على سبيل المثال توجيه رفع (رطب ويابس) من قوله: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] ، 3/ 61، وتوجيه (لمن) من قوله: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعراف: 75] ، 3/ 202، وتوجيه المحل الإعرابي لجملة (لئن أنجيتنا) من قوله: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] ، 3/ 485، وتوجيه (من برد) من قوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 43] ، 5/ 127، وتوجيه (محياهم ومماتهم) من قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] ، 6/ 117.