وفي قوله - عز وجل-: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} [يونس: 98] .
جوز أبو السعود في قوله (إلا قوم يونس) وجهين:
الوجه الأول: أن يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى: لكن قوم يونس لما آمنوا أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخِّروا إلى حلوله كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا بعد ما أظلهم وكاد يحل بهم [1] .
الوجه الثاني: أن يكون متصلا على أن تكون الجملة قبل (إلا) في معنى النفي كما يفصح عنه حرف التحضيض، والمراد بالقرى أهاليها، كأنه قيل: ما آمنت طائفة من الأمم الماضية فينفعهم إيمانهم إلا قوم يونس عليه السلام، فيكون قوله (لما آمنوا) استئنافا لبيان نفع إيمانهم.
وفي قوله - تبارك اسمه-: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] .
ذكر أبو السعود في قوله (إلا رب العالمين) وجهين [2] :
الأول: أن يكون الاستثناء منقطعا، فهو ليس استثناء من الأول [3] ، والمعنى: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هود وليِّى في الدنيا والآخرة، لا يزال يتفضّل علىّ بمنافعهما [4] .
الثاني: أن يكون متصلا [5] ، على أن يكون الضمير لكل معبود، حيث كان من آبائهم من عبدالله تعالى [6] ، وعليه،"يكونوا عبدوا مع الله الأصنام وغيرها، فقال لهم: إن جميع من عبدتم عدو لي إلا رب العالمين، لأنهم سوَّوا آلهتهم بالله - تعالى- فأعلمهم أنه قد تبرأ مما يعبدون إلا الله، فإنه لم يتبرأ من عبادته" [7] .
وكذا في قوله - سبحانه-: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} [الغاشية: 21، 24] .
(1) انظر: أبا السعود 3/ 539.
(2) انظر: السابق نفسه.
(3) انظر: معاني الزجاج 4/ 93.
(4) أبي السعود 5/ 207.
(5) وقد نقل أبو السعود هذا الوجه ونص على أنه قول الزجاج في معانيه، انظر: 4/ 93.
(6) أبي السعود 5/ 208.
(7) معاني الزجاج 4/ 93.