وقد ردّ أبو السعود القولين الأخيرين محتكما إلى السياق اللاحق في ذيل الآية، قال:"ويأباهما قوله (إنه كان فاحشة ومقتا) ؛ فإنه تعليل للنهي، وبيانٌ لكون المنهي عنه في غاية القبح، مبغوضا أشد البغض، وأنه لم يزل في حكم الله- تعالى- وعلمه موصوفا بذلك، ما رخّص فيه لأمة من الأمم، فلا يلائم أن يوسَّط بينهما ما يهوِّن أمره من ترك المؤاخذة على ما سلف منه، (وساء سبيلا) " [1] .
فقد اختار أبو السعود كون الاستثناء متصلا لا منقطعا لما أفاده السياق اللاحق المعلِّل للنهي والتحريم، واختار عكسه محتكما أيضا إلى السياق اللاحق في قوله - عز اسمه-: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] .
فعين ما رفضه وردّه أبو السعود هنالك، أباحه هنا بل حتَّمه، قال:" (إلا ما قد سلف) استثناء منقطع، أي: لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به، ولا سبيل إلى جعله متصلا بقصد التأكيد والمبالغة كما مر فيما سلف، لأن قوله - تعالى: (إن الله كان غفورا رحيما) تعليل لما أفاده الاستثناء فيتحتم الانقطاع" [2] .
وقد عزَّز أبو السعود ما ذهب إليه من جعل الاستثنائين على العكس من بعضهما - بالرغم من كونهما بلفظ واحد - بما روي من أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون تلك المحرمات من النساء إلا اثنتين: نكاح امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ثم قال:"ألا يرى أنه قد عقَّب النهي عن كل منهما بقوله (إلا ما قد سلف) وهذا يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سنن واحد، ويأباه اختلاف التعليلين" [3] .
وفي قوله - جل ذكره-: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] .
ذكر أبو السعود وجهين في معنى قوله (إلا من ظلم) ، يختلف تبعا لهما نوع الاستثناء:
الوجه الأول: على القراءة المشهورة ببناء الفعل (ظُلِم) لما لم يُسم فاعله، فإن الاستثناء عليها متصل، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم بأن يدعو على ظالمه، أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء، فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه [4] .
الوجه الثاني: على قراءة الفعل (ظَلَم) بالبناء للفاعل، فالاستثناء حينئذ منقطع، والمعنى: ولكن الظالم يرتكب ما لا يحبه الله - تعالى - فيجهر بالسوء [5] .
(1) السابق 2/ 255، 256.
(2) أبي السعود 2/ 259، 260.
(3) أبي السعود 2/ 260.
(4) أبي السعود 2/ 396.
(5) السابق 2/ 397.