وأما تعليقه ب (يعدلون) فليس فيه ما في سابقه من الدلالة المحذورة وفقا لأبي السعود.
وفي قوله - سبحانه-: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107] .
ذكر أبو السعود في تعلق (من قبل) وجهين:
الوجه الأول: أن يتعلق ب (اتخذوا) ، والمعنى: اتخذوا مسجد الضرار من قبل أن ينافقوا بالتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث كانوا بَنْوه قبل غزوة تبوك [1] .
الوجه الثاني: أن يتعلق ب (حارب) ، أي: إرصادًا لمن حارب الله ورسوله قبل اتخاذ هذا المسجد.
فشبه الجملة على الأول قيد للاتخاذ، حيث اتخذوا المسجد قبل النفاق بزمن قريب، وعليه لا تكون محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي [2] . وعلى الثاني قيد للمحاربة، فقد حاربوا قبل اتخاذ المسجد.
وفي قوله - تعالى-: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .
جوز أبو السعود في متعلق الباء في قوله (بفضل الله وبرحمته) أمرين:
الأمر الأول: أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: (ليفرحوا) ، وأصل الكلام: ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، للإيذان باستقلالهما في استيجاب الفرح، ثم قُدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة القصر، ثم أُدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية فصار: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا [3] ، فالمعنى:"فبذلك الأمر العظيم جدا وحده - إن فرحوا يومًا ما بشيء - فليفرحوا؛ فقد قصر الفرح على ذلك- أي: فضل الله ورحمته - دون ما يسُّرون به من الحطام؛ فإن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية" [4] .
الأمر الثاني: أن تتعلق الباء ب (جاءتكم) ، والمعنى: جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك - أي: فبمجيئها - فليفرحوا.
وأحسب أن المعنى على الوجه الأول أوقع في النفس، وأبلغ دلالة. والله أعلى وأعلم.
ومما تغير معناه تبعا لاختلاف متعلقة كذلك قوله - عز شأنه-: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [الرعد: 18] .
(1) انظر: أبا السعود 3/ 439. وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 332، الدر المصون للسمين 6/ 120.
(2) انظر: نظم الدرر للبقاعي 9/ 16، 17.
(3) انظر أبا السعود 3/ 512.
(4) نظم الدرر للبقاعي 9/ 146، 147 بتصرف يسير.