وفي قوله - تبارك اسمه-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .
ذكر أبو السعود وجهين في تعلق شبه الجملة (بربهم) من حيث تركيب الآية، ردّ أحدهما لتأديته إلى معنى غير سديد.
الوجه الأول: أن تتعلق الباء في (بربهم) بقوله (يعدلون) ، وقد وضع (الرب) موضع ضميره - تعالى- لزيادة التشنيع والتقبيح، وتقديم شبه الجملة لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد، والمحافظة على الفواصل. وترك مفعول (يعدلون) لظهوره، أو لتوجيه الإنكار والاستبعاد إلى نفس الفعل بتنزيله منزلة اللازم، إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد والاستنكار لا خصوصية المفعول [1] .
فالمعنى: يعدلون عن ربهم إلى غيره، أو يسوّون بربهم غيره من المخلوقين [2] ،"هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل، والخليق بفخامة شأنه الجليل" [3] .
الوجه الثاني: أن تكون الباء صلة ل (كفروا) متعلقة به، على أن يكون (يعدلون) من العدول، والمعنى: أن الله - تعالى - حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته [4] .
وبالرغم من جواز هذا الوجه من حيث التركيب، إلا أن أبا السعود جعله مردودا لمعناه؛ فإن كفر الكافرين به سبحانه - لا سيما باعتبار ربوبتيه لهم - أشد شناعة وأعظم جناية من عدولهم عن حمده - عز وجل - لتحققه، مع إغفاله أيضا، فجعل أهون الشَّرَّين عمدةً في الكلام مقصودَ الإفادة، وإخراجُ أعظمها مُخرج القيد المفروغ عنه مما لا عهد له في الكلام السديد، فكيف بالنظم التنزيلى [5] .
فقد أنف رحمه الله من هذا الوجه لأن تعليق (بربهم) بالفعل (كفروا) يجعل الكفر بالله أهون من العدول عن حمده تعالى؛ فإن (يعدلون) واقع في محل الخبر عن الموصول (الذين) [6] ، فجاء الكفر بالله قيدا متمما للموصول، ثم كان الخبر بالعدول عن حمده تعالى، وهو ما قصده بقوله (جعل أهون الشَّرَّين عمدة في الكلام وإخراج أعظمهما مخرج القيد المفروغ عنه مما لا عهد له في الكلام السديد) .
(1) انظر: أبا السعود 3/ 5.
(2) انظر: اللباب لابن عادل 8/ 13.
(3) أبي السعود 3/ 5.
(4) السابق نفسه.
(5) انظر: السابق نفسه.
(6) انظر: إعراب القرآن الكريم للقاضي ص: 253.