أولًا: على تقدير وصله بما قبله يجوز في محله ثلاثة أوجه: الجر صفة للمتقين قبله، أو النصب على المدح بتقدير (أعنى) ، أو الرفع عليه بتقدير (هم) . فالكلام متصل على أوجهه الثلاثة: فعلى الجر وصفوا بالصفات الحميدة التي أجملت في (المتقين) من إيمان وصلاة وصدقة [1] .
وعليه فلا وقف على (المتقين) ؛ لأنه لا يفصل بين المنعوت ونعته لأنهما كالشيء الواحد، فالوقف عليه غير تام لتعلق ما بعده به وتبعيته له [2] ، وأما من حيث كونه رأس آية فيجوز الوقف عليه [3] .
وكذلك وجهي النصب والرفع على المدح فالوقف عليهما حسن ولكنه غير تام [4] ، لأنهما وإن استقلا من حيث التركيب وخرجا عن التبعية لما قبلهما من حيث اللفظ، إلا أنهما تابعان له حقيقة من حيث المعنى [5] ، فلم يقطعا إلا مبالغة في وصف المتقين بصفات مادحة لهم، فالمعنى متصل.
ثانيًا: على تقدير فصله عن (المتقين) ، فيه وجه واحد هو الرفع على الابتداء، وخبره جملة (أولئك على هدى من ربهم) [6] ، وعليه، فقد تم الكلام قبله واستأنف كلاما جديدا عنهم مبتدئا بالموصول ومخبرا بأنهم على هدى من ربهم، فالوقف على (المتقين) حينئذ وقف تام؛ لأنه وقف على مستقل، ما بعده أيضًا مستقل [7] ، يعنى في المعنى، واللفظ منقطع عما قبله.
وفي قوله - سبحانه-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] .
ذكر أبو السعود في (والمؤمنون) وجهين ردّ أحدهما لعدم لياقة معناه:
(1) انظر: السابق 1/ 71.
(2) أبي السعود 1/ 73.
(3) انظر: منار الهدى للأشموني ص:30.
(4) اختلف المفسرون والمعربون اختلافا واسعا في أقسام الوقف والابتداء، ولكنه إجمالا ينقسم خمسة أقسام من حيث التعلق بما قبله: فالتام لا يتعلق بما قبله لا لفظا ولا معنى، والقبيح يتصل ما بعده بما قبله لفظا ومعنى، والكافي يتصل ما بعده بما قبله معنى لا لفظا، والحسن يتصل ما بعده بما قبله لفظا لا معنى، والخامس متردد بين هذه الأقسام لأن الوقف قد يكون تاما في تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على غير ذلك. انظر: منار الهدى للأشموني ص:9، 10.
(5) انظر: أبا السعود 1/ 73.
(6) انظر: السابق نفسه، منار الهدى للأشموني ص:30.
(7) أبي السعود 1/ 73. وانظر: القطع والائتناف للنحاس 1/ 33، 34.