ثالثها: أن قوله - تعالى-: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس: 78] [1] مسوق لبيان أنه - عليه السلام - ألقمهم الحجر فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه - عليه السلام-، فضلا عن الجواب الصحيح [2] .
وجملة (يرزقكم) من قوله - جل ذكره-: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] .
تحتمل جملة (يرزقكم) من حيث التركيب أربعة أوجه، ردّها أبو السعود كلها إلا واحدا لما يترتب عليها من دلالات غير سائغة [3] .
الوجه الأول: أن تكون جملة (يرزقكم) كلاما مبتدأً لا محل له من الإعراب، داخلًا في حيز النفي والإنكار [4] .
والمعنى: لما كان الاستفهام في قوله: (هل من خالق غير الله؟) غرضه النفي والإنكار، كان الجواب قطعا: لا، بل هو الخالق، ثم ابتدأ الله منبها على نعمه بقوله: يرزقكم وحده من السماء والأرض بالمطر والنبات، فدل على أنه هو الرازق وحده، وختم بتقرير توحيده تعالى بقوله: (لا إله إلا هو) [5] .
الوجه الثاني: أن تكون صفة أخرى [6] ل (خالق) مرفوعة المحل أو مجرورته إتباعا لموضع أو لفظ (خالق) [7] .
ومعنى هذا الوجه نفي وجود خالق موصوف بوصفَيْ المغايرة والرَّازقِيَّة معًا من غير تعرض لنفي وجود ما اتصف بالمغايرة فقط [8] ، مع أنه هو المراد، فلم يتعرض لنفي مجرد وجود خالق غير الله بأي صفة كان.
الوجه الثالث والرابع: أن تكون في محل رفع خبر المبتدأ (من خالق) ، وأن تكون جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب تفسيرًا ل (يرزقكم) المضمر الرافع ل (خالق) على الفاعلية، أي: هل يرزقكم من خالق [9] .
(1) يونس/78.
(2) أبي السعود 3/ 531.
(3) انظر: أبا السعود 5/ 464.
(4) السابق نفسه.
(5) نظم الدرر للبقاعي 16/ 9.
(6) الصفة الأولى (غير الله) صفة ل (خالق) على الموضع: أبي السعود 5/ 464.
(7) أبي السعود 5/ 464. وانظر: الكشاف للزمخشري 3/ 621.
(8) السابق نفسه.
(9) السابق نفسه. وانظر: الكشاف للزمخشري 3/ 621.