وعليه، فالجملة استئناف مبين كيفية إهلاك الله - تعالى - الأمم السابقة، حيث مكن لهم من الأموال والبنين والرفاهية، وأرسل السماء عليهم فمتعهم بصنوف الزروع والثمار، فلم يشكروا وكذبوا فأهلكهم بذنوبهم [1] .
الوجه الثاني: أن تكون في محل الجر صفة ل (قرن) ، فهي نكرة، والنكرة تفتقر إلى مخصص، فإذا وليها ما يصلح مخصصا لها تَعيَّن وصفيته لها [2] ، ولذلك فضل بعضهم هذا الوجه وجعله أَلْيَق من جعلها استئنافيا [3] .
والضمير في (مكناهم) عائد على (قرن) باعتبار معناه، ومعناه جمع [4] .
وهذا عند أبي السعود ضعيف من جهتين:
الأولى: فساد معناه؛ فالمعنى على جعل (مكناهم) صفة (قرن) : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين بكذا وكذا وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم، وهذا بيِّن الفساد [5] ؛ لأنه يفضي إلى جعل مضمون جملة (مكناهم) وما عطف عليها من الجمل التالية: (وأرسلنا) ، (وجعلنا) ، (فأهلكناهم) ، يفضي إلى جعلها أمرا مفروغا عنه غير مقصود بسياق النظم، فضلا عن تأديته - بمعناه السابق - إلى اختلال النظم الكريم [6] .
أما وجه الاستئناف ففيه قصد إلى بيان كيفية إهلاك هذه الأمم المعبَّر عنها بلفظ القرن، عن طريق تلك الجمل المتعاطفة.
الجهة الثانية لضعف وجه الصفة عند أبي السعود أن التنوين في (قرنٍ) تنوين تفخيمي مُغنٍ للنكرة عن استدعاء الصفة، وعليه، لا تفتقر (قرن) - وهي نكرة - إلى ما يخصصها [7] .
وكذلك جملة (ولا يفلح الساحرون) من قوله - جل ذكره-: {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 77] .
تحتمل جملة (ولا يفلح الساحرون) وجهين:
(1) انظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدى ص:249.
(2) انظر: الدر للسمين 4/ 536، اللباب لابن عادل 8/ 29.
(3) انظر: السابق نفسه.
(4) انظر: التبيان للعكبري 1/ 338.
(5) أبي السعود 3/ 14. وانظر: روح المعاني للألوسي 7/ 94.
(6) أبي السعود 3/ 14.
(7) السابق 3/ 14.