التوجيه الثاني: أن تكون في محل الجر صفة ل (أشياء) ، على أن يكون الضمير في (عنها) للأشياء لا للمسألة [1] .
والمعنى: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلفكم إياها [2] . وقد ردّ أبو السعود هذا الوجه لأنه - من حيث المعنى - يقتضي أمرين:
الأمر الأول: أن يكون الحج [3] قد فرض أولا في كل عام ثم نسخ بطريق العفو، وأن يكون ذلك معلوما للمخاطبين؛ وذلك لأن حق الوصف أن يكون معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفا له، وكلاهما ضروري الانتفاء قطعا [4] ؛ فلم يفرض الحج كل عام ولم ينسخ عفوا، ولا كان اتصاف الأشياء بالعفو عنها معلوما عند المخاطبين ثبوته لها.
والأمر الثاني: أن جعل الجملة صفة للأشياء يستدعى اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها إن سلم وقوعها، مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوؤهم إبداؤها [5] .
وجملة (تحسبونهما) من قوله - عز وجل-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: 106] .
تحتمل جملة (تحبسونهما) وجهين في الإعراب:
الوجه الأول: أن تكون استئنافية لا محل لها من الإعراب [6] ، وقعت جوابا عما نشأ من اشتراط العدالة في الشاهدين، كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا في الشاهدَيْن؛ فقيل: تحبسونهما وتصبرونهما للتحليف من بعد الصلاة [7] . هذا هو المعنى على جعلها استئنافا.
(1) انظر: السابق نفسه، الدر للسمين 4/ 442، اللباب لابن عادل 7/ 547.
(2) أبي السعود 2/ 554.
(3) حيث روي أن الآية نزلت عند سؤال أقوام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] ، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، فكرروا السؤال، فقال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم انظر: أسباب النزول للسيوطي ص:111.
(4) انظر: أبا السعود 2/ 554.
(5) السابق نفسه.
(6) أبي السعود 2/ 560. وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 71.
(7) السابق نفسه. وانظر: روح المعاني للألوسي 7/ 48.