فكأن التقدير: وهو الذي أنشأ جناتٍ هذا تفصيلها، وأنشأ من الأنعام ما يُحمل عليه الأثقال وما يُفرش للذبح، أو ما يُفرش المصنوع من شعره وصوفه ووبره [1] . فكأنه قيل: أنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ثمانية أزواج.
فالمعنى: أن الله - تعالى - بعد أن ذكر في الآيات السابقات تصرف المشركين في ملك الله بالتحريم والتحليل وفقا لأهوائهم وافتراءً عليه شرع - سبحانه - في ذكر نعمه عليهم في الحروث والأنعام مع تفصيلهما [2] ، ففصل الحروث وأنواعها، وفصل الأنعام وأنواعها.
الوجه الثاني: أن تكون (ثمانية) مفعولا به ل (كلوا) في قوله (كلوا مما رزقكم الله) ، وما بينهما من قوله (ولا تتبعوا خطوات ... ) اعتراض أو حال [3] ، فكأن التقدير: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج.
وقد ردّ أبو السعود هذا الوجه لما يلزم عنه من المعنى؛ فإن كون (ثمانية) مفعولا ل (كلوا) يأباه جزالة النظم الكريم لظهور أنه مسوق لتوضيح حال الأنعام بتفصيلها أولا إلى حمولة وفرش، ثم بتفصيلها ثانيا إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل الأولى إلى الإبل والبقر، وتفصيل الثانية إلى الضأن والمعز، ثم تفصيل كل من الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى، كل ذلك لتحرير المواد التي تقوّلوا فيها على الله سبحانه [4] .
فهذا المعنى الذى فصله أبو السعود يتأتى على وجه إبدال (ثمانية) من الحمولة والفرش في سياقٍ من اتصال المعنى بالآيات قبله، ووضع تفصيل الأنعام في مقابل تفصيل الجنات كما سبق. أما جعل (ثمانية) مفعولا (لكلوا) فليس على ذلك. وأحسب أبا السعود مصيبا فيما مال إليه.
وفي قوله - سبحانه - {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] .
يحتمل نصب (قربانا) و (آلهة) من حيث التركيب وجهين:
الأول: أن تنتصب (قربانا) حالا، و (آلهة) مفعولا ثانيا ل (اتخذوا) ، ومفعوله الأول ضمير محذوف عائد إلى الموصول، والتقدير: فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقرَّبا بها إلى الله تعالى
(1) السابق 3/ 131، 132.
(2) انظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدى ص: 279.
(3) حال من (ما) في (مما رزقكم) بمعنى: مختلفة أو متعددة. انظر: أبا السعود 3/ 32.
(4) أبي السعود 3/ 132، 133.