ولم أجد - فيما اطلعت عليه - من أشار إلى هذه اللفتة اللطيفة من فارق في الدلالة على التقدير الأخير غير أبي السعود. والله أعلم بمراد كلامه.
وفي قوله - سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 22، 23] .
يخبر الله - عز وجل- عن مآل أهل الشرك يوم القيامة، وسؤاله توبيخا لهم (أين شركاؤكم الذين زعمتموهم؟) ، فلم تكن فتنتهم إلا جوابا مستمرين به على الكذب: (والله ربنا ما كنا مشركين) [1] .
في قوله (ربنا) وجهان تبعا لقراءتها [2] :
الأول: أن تكون مجرورة نعتا لاسم الجلالة قبلها، وهو مجرور على التعظيم بالقسم، فقد وصفوا الله - تعالى - في جوابهم بربوبيته لهم قصدا إلى المبالغة في التبرؤ من الإشراك في الدنيا [3] ، فكأنهم لم يقنعوا بمجرد الكذب حتى أقسموا، ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع (الله) والوصف المحسِّن (ربنا) [4] .
الثاني: أن تكون منصوبة على النداء، ينادون الله إظهارا لكمال الضراعة والابتهال في استدعاء قبول المعذرة من الله - عز وجل -، ففيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفعان [5] .
وفي قول الله - تبارك اسمه-: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام: 142، 143]
يحتمل نصب (ثمانية) في تركيب الآية وجهين:
الوجه الأول: أن تكون بدلا من (حمولة وفرشا) في قوله (ومن الأنعام حمولة وفرشا) ، وهما بدورهما معطوفان على مفعول (أنشأ) [6] في الآية السابقة في قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام: 141] .
(1) انظر: نظم الدرر للبقاعي 7/ 80، 81، تيسير الكريم الرحمن للسعدى ص: 252.
(2) انظر: أبا السعود 3/ 28.
(3) أبي السعود 3/ 28.
(4) نظم الدرر للبقاعي 7/ 81.
(5) الكشف لمكي 1/ 427.
(6) أبي السعود 3/ 132.