وفي قوله - جل وعلا-: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
قال أبو السعود:" (ومن تطوع خيرا) أي: فعل طاعة: فرضا كان أو نقلا، أو زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف، و (خيرا) حينئذ نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: تطوعا خيرا، أو على حذف الجار وإيصال الفعل إليه، أو على تضمين معنى (فَعَل) " [1] .
فإن المفهوم من التوجيه السابق أن الآية لابد فيها - حتى يستقيم التركيب من حيث القواعد - من أحد شيئين: إما أن يقدر محذوف مصدرًا للفعل فيكون (خيرا) صفة لموصوف محذوف، أو حرف جر على المعهود في استعمال (تطوع) بالباء أي: تطوع بخير، فلما حذف الحرف انتصب (خيرا) [2] ، وإما أن يضمن (تطوع) معنى فعل يتعدى بنفسه، أي: من فعل خيرا متطوعا به [3] .
وكذلك قوله - عز شأنه-: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] .
فانتصاب (أضعافا) يحتمل أن يكون على الحالية من الهاء في (يضاعفه) ، أو على المفعولية بتضمين (يضاعف) معنى التصيير فينصب مفعولين، أو على المصدرية فيكون (أضعافا) مصدرا مؤكدا، على أن الضعف اسم للمصدر، والجمع للتنويع [4] .
وقوله - عز وجل-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .
قال أبو السعود في نصب (كافرين) : إنها إما مفعول ثان ل (يردوكم) على تضمين الرد معنى التصيير فينصب مفعولين: أولهما الضمير وثانيهما (كافرين) كما في قوله:
رمى الحِدْثان نسوة آل حرب بمقدار سمدن له سمودا
فردّ شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا [5]
(1) أبي السعود 1/ 324.
(2) اللباب لابن عادل 3/ 99.
(3) السابق نفسه.
(4) انظر: أبا السعود 2/ 420.
(5) وقد عدّ ابن عقيل الفعل (ردّ) من أفعال التحويل التي تضمن معنى التصيير فتنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وهي: صيَّر، وجعل، ووهب، وتخذ، واتخذ، وترك، وردّ. انظر: شرح ابن عقيل 2/ 32 - 34.