وقد عد الدكتور تمام حسان التضمين واحدا من مظاهر العدول عن الأصل في اللغة،"فإن الأصل في الاستعمال استصحاب الأصل، سواء من حيث المبني أو من حيث المعنى، ولكن العرب درجت على تصحيح حالات معينة من العدول عن الأصل، وأعطتها من الاعتداد بها ما رَقِيَ بها إلى مستوى الصواب المعتمد على قاعدة" [1] .
أما عن الغرض من التضمين من جهة المعنى والبلاغة فإن الزمخشري قال عنه في آية سورة الكهف المتقدمة:"والغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك متجاوزتين إلى غيرهم، ونحو قوله - تعالى-: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ، أي: ولا تضموها إليها آكلين لها" [2] .
"فإن من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلا ويضمنه معنى فعل آخر، ويجرى على المضمن أحكامه لفظا، وأحكام الفعل الآخر معنى، فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار" [3] .
وفيما يلي إيراد طائفة من الشواهد الواردة في تفسير أبي السعود والتي كان التضمين بمفهومه السابق سببا لتعدد التوجيه فيها.
في قوله - تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] .
فقد تعدد توجيه بعوضة بين النصب على البدل من (مثلا) [4] ، أو على عطف البيان له عند من يجوزه في النكرات [5] . أو أن تكون مفعولا به ل (يضرب) و (مثلا) حال منها تقدمت عليها لكونها نكرة، أو أن تكون البعوضة والمثل مفعولي (يضرب) على تضمينه معنى الجعل والتصيير [6] .
(1) البيان في روائع القرآن لدكتور تمام 1/ 13. وقد جعل الأستاذ الدكتور تمام حسان التضمين أحد الظواهر التي تمثل عدولا عن إحدى القرائن اللفظية وهي قرينة التضام؛ حيث يدخل اللفظ على غير مدخوله، وقد عرفت هذه الظاهرة في النحو العربي بأسماء متعددة منها التضمين. انظر: 1/ 119.
(2) الكشاف للزمخشري 3/ 62، 63.
(3) دراسات عضيمة القسم الثالث، 2/ 211 فيما نقله عن ابن القيم رحمه الله.
(4) على أن يكون (مثلا) هو المفعول به ل (يضرب) . انظر: أبا السعود 1/ 151.
(5) انظر: أبا السعود 1/ 151.
(6) السابق نفسه.