وفي قوله - عز وجل-: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] ، فإن (لا) تحتمل أن تكون نافية، وتحتمل أن تكون مزيدة، وتبعا لكل منهما يتغير توجيه المعنى وإن لم يتغير ظاهر إعراب الفعل.
فعلى كونها نافية يكون المعنى: أي شيء يعلمكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقون على ما كانوا عليه [1] . فكأنه بسط عذر من جهة المسلمين في تمنيهم نزول الآيات [2] .
أما على كونها زائدة فإن المعنى: أي شيء يعلمكم إيمانهم عند مجيء الآيات حتى تتمنوا مجيئها طمعا في إيمانهم؟ فيكون تخطئة لرأي المسلمين [3] .
ومثله قوله - عز وجل-: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] .
فإن (لا) تحتمل أن تكون نافية، أي: ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء والمحاسبة، وأن تكون صلة [4] ، أي: ممتنع رجوعهم إلى التوبة، فلا يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة [5] .
(5) اللام:
تعدد توجيه أبي السعود بعض الآيات القرآنية تبعا لتعدد وظيفة اللام، فتارة تكون لام الأمر فينجزم الفعل بعدها، وأخرى تكون لام التعليل أو العاقبة [6] فيأتي الفعل بعدها منصوبا.
من ذلك قوله - تبارك وتعالى-: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47] .
اللام في (ليحكم) لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وهو أمر لهم بأن يحكموا ويعملوا بما في الإنجيل من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته عليه السلام [7] .
(1) أبي السعود 3/ 103.
(2) أبي السعود 3/ 103.
(3) السابق نفسه.
(4) يعني بكلمة (صلة) أنها زائدة. انظر: المغني لابن هشام 1/ 280.
(5) انظر: أبي السعود 4/ 692، 693.
(6) هي لام التعليل المجازي، وهي التي في قوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] ، حيث إن آل فرعون لم يلتقطوا موسى - عليه السلام - ويربوه ليكون عدوا وحزنا لهم، وإنما التقطوه ليكون ابنا لهم وقرة عين، فآل الالتقاط إلى العداوة والحزن. ويعبر عن هذه اللام بلام العاقبة ولام الصيرورة. انظر: البحر لأبي حيان 7/ 101.
(7) انظر: أبا السعود 2/ 485.