حالا من ضمير المبتدأ المستكن فيما تعلق به الخبر على رأي من جوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند كونها ظرفا أو حرف جر، وإما أن يكون الخبر (على الله) و (للذين) متعلق بما تعلق به الخبر أو بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في متعلَّق الخبر [1] .
رجح أبو السعود الوجه الأول فجعل (للذين) خبرا للمبتدأ - على ما فيه من تقديم الحال على عاملها المعنوي - مستدلا بالسياق سباقا ولحاقا، قال:"إلا أن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام هو الأول؛ لما أن ما قبله من وصفه - تعالى - بكونه توابا رحيما [2] [سباق] إنما يقتضي بيان اختصاص قبول التوبة منه - تعالى - بالمذكورين، وذلك إنما يكون بجعل قوله: (للذين إلخ) خبرا، ألا تري إلى قوله - عز وجل-: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] [لحاق] ، فإنه ناطق بما قلنا، كأنه قال: إنما التوبة لهؤلاء لا لهؤلاء" [3] .
ومن شواهد أخذه السياق بعين الاعتبار أيضا ما جاء في تفسير قوله - تعالى-: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] .
ذكر أبو السعود أن المقصود بالملائكة في الآية ملائكة العذاب أو يأتي أمر ربك بالعذاب. وقيل المراد بالملائكة ملائكة الموت، والمراد بإتيان الله إتيان كل آياته بمعنى: آيات القيامة، قال - رحمه الله-: وأنت خبير بأن النظم الكريم [بسباقه] المنبئ عن تماديهم في تكذيب آيات الله يستدعي أن يُحمل ذلك على أمور هائلة مخصوصة بهم، إما بأن تكون عبارة عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبة على جناياتهم كإتيان ملائكة العذاب وإتيان أمره تعالى بالعذاب، وهو الأنسب لما سيأتي من قوله - تعالى-: {قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] [لحاق] . وأما حمله على ما ذكر من إتيان ملائكة الموت وإتيان كل آيات القيامة مع شمول إتيانها كل برٍّ وفاجر فمما لا يساعده المقام [4] .
وعليه، فإن نظر أبي السعود - رحمه الله - للجملة القرآنية في إطار سياقها الكلي، ووضعه إياها موضعها من سوابقها ولواحقها جعله ينتبه إلى دقائق المعنى التي لا تلتقط إلا بهذا الربط، ذلك الذي جعله يدرك أن أولاد الزنا في حكم الأموات؛ حيث وُسّط النهي عن الفواحش بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل
(1) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 248.
(2) يقصد أبو السعود قول الله - تعالى - في الآية السابقة: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء/16] .
(3) تفسير أبي السعود 2/ 248، 249.
(4) السابق 3/ 146، 147 بتصرف.