الجامح الأبيّ، كيف لا؟ وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف" [1] ."
فإذا كان المقال السابق من قول أبي السعود - رحمه الله - فلا غَرْو أن تذيع في تفسيره المصطلحات البيانية (كالتشبيه) و (الاستعارة التبعية) و (التمثيل) و (التمثيل المركب) و (ترشيح الاستعارة) و (الكناية) وغير ذلك مما يكفي لاستجلائه مطالعة عَجْلَي لتفسيره الربع الأول من سورة البقرة.
ومن أمثلة معالجاته للصور البيانية ما جاء في قوله - عز اسمه-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] . المراد (بحبل الله) دين الإسلام أو كتابه، وهو إما تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من تمسك المتدلي من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير اعتبار مجاز في المفردات، وإما استعارة للحبل لما ذكر من الدين أو الكتاب، والاعتصام ترشيح لها أو مستعار للوثوق به والاعتماد عليه [2] .
ومنه أيضا ما جاء في قوله - عز وعلا-: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24] ،"فقد جعلت الأرض في تزينها بما عليها من أصناف النباتات وأشكالها وألوانها المختلفة المونقة آخذة زخرفها على طريقة التمثيل بالعروس التي أخذت من ألوان الثياب والزينة فتزينت بها" [3] .
(6) احتفل أبو السعود - رحمه الله - بالسياق: سباقه ولحاقه احتفالا واضحا؛ فكان كثيرا ما يحتكم إليه في ترجيح وجه نحوي، أو في اختيار وجه من الدلالة دون غيره؛ حيث كان يربط دلالة التركيب وسمات الأسلوب بالسياق القريب والبعيد للجملة مرجحا ومختارا أبلغ الأوجه دلالة، حتى وإن دُفع في سبيل ذلك إلى مخالفة جمهور المفسرين والنحاة، أو إلى مخالفة آراء لكبارهم مما سيأتي بيانه في موضعه من الفصل.
ومن شواهد عناية أبي السعود بالسياق وترجيحه بناءً عليه ما جاء في قوله - تعالى-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17] .
دار ترجيح أبي السعود في قوله - تعالى-: (إنما التوبة على الله للذين .. ) حول وجهين تكون (التوبة) فيهما مبتدأ والخبر: إما (للذين) و (على الله) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع
(1) تفسير أبي السعود 1/ 112.
(2) انظر: السابق 2/ 104، 105.
(3) تفسير أبي السعود 3/ 488.