أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 9] ، حيث طُرح مفعولا (تعلمون - يشعرون) بالكلية وإن كان أولهما متعديا والثاني لازما، إلا أن حذف مفعوليهما له دلالات بلاغية خاصة أوضحها أبو السعود كلاًّ في موضعه من التفسير [1] .
ومن بلاغيات الحذف أيضا ما جاء في تفسير قوله - عز اسمه-: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60] ،"فقوله: {فَانْبَجَسَتْ} معطوف على مقدر ينسحب عليه الكلام قد حذف تعويلا على كمال الظهور، وإيذانا بغاية مسارعته - عليه السلام - إلى الامتثال، وإشعارًا بعدم تأثير الضرب حقيقة، تنبيها على كمال سرعة الانبجاس وهو الانفجار، كأنه حصل إثر الأمر قبل تحقق الضرب كما في قوله - تعالى: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] ، أي: فضرب فابنجست منه اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط [2] . وأما ما قيل من أن التقدير: (فإنْ ضربت فقد انبجست) فغير حقيق بجزالة النظم التنزيلى" [3] .
ومن إشاراته لبلاغة الإيجاز والإطناب وتوفية كل مقام حقه منهما تبعا لما تقتضية الحال ما جاء من حكاية الله - عز وجل - حال من اشتروا الضلالة بالهدي وتمثيلها أولا بحال (الذي استوقد نارا) ، وثانيا بقوله - تعالى وعز-: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] . قال أبو السعود - رحمه الله-:" (أو كصيب) تمثيل لحالهم إثر تمثيل؛ ليعم البيان منها كل دقيق وجليل، ويوفَّي حقها من التفظيع والتهويل؛ فإن تفننهم في فنون الكفر والضلال، وتنقلهم فيها من حال إلى حال حقيق بأن يضرب في شأنه المثال، ويُرخي في حلبته أعنة المقال، ويُمد لشرحه أطناب الإطناب، ويعقد لأجله فصول وأبواب؛ لما أن كل كلام له حظ من البلاغة، وقسط من الجزالة والبراعة لابد أن يُوفّى فيه حق كل من مقامَي الإطناب والإيجاز، فما ظنك بما في ذروة الإعجاز من التنزيل الكريم" [4] .
كذا اهتم أبو السعود بمعالجة وتفصيل الصور البيانية لمزيد إيضاح المعنى القرآني، وتوفيته حقه من الشرح والبيان، حتى لكأنه يجعل الصورة القرآنية ماثلة أمامك في عالم المشاهدة،"فإن التمثيل ألطف ذريعة إلى تسيير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستقصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة"
(1) انظر: تفسير أبي السعود: 1/ 97، 132.
(2) انظر: السابق 3/ 255.
(3) السابق 3/ 255.
(4) تفسير أبي السعود 1/ 115، 116.