فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 519

يَكْسِبُونَ [يونس: 7، 8] ، فقد أشار إلى دقيقة بلاغية من دقائق المعنى استفيدت من تكرار الموصول؛ حيث كُرر للتوسل به إلى جعل صلته جملة اسمية منبئة عما هم عليه من استمرار الغفلة ودوامها، وتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي إيذانا بمغايرة الوصف الأخير للأوصاف الأُوَل، واستقلاله باستتباع العذاب [1] .

وقد ردّ أبو السعود تأويلين آخرين لتكرار الموصول في الآية، يرى أولهما أنه لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا، والانهماك في الشهوات بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلا، أو أنه لتغاير الفريقين على أن المراد بالأولين من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل، فإن هذا - في رأي أبي السعود - كلام ناءٍ عن السداد فليُتأمَّل [2] .

ومن إشاراته - رحمه الله - لبلاغة الحذف ما جاء في تفسيره قوله - تعالى - في معرض تحدي الكفار بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن حيث قال - عز وجل - مُعَجّزا وقاطعا عليهم سبيل الردّ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] .

ففي الآية حُذف مفعول (تفعلوا) في المرتين وتأويله: فإن لم تفعلوا ما أُمرتم به من الإيتان بالمثل، وإنما لم يصرّح به إيذانا بعدم الحاجة إليه، بناءً على كمال ظهور تهالكهم على ذلك، وإنما أُورد في حيز الشرط مطلق الفعل، وجُعل مصدر المأمور به مفعولا [3] للإيجاز البديع المغني عن التطويل والتكرير، مع سِرّ سرِيٍّ استقل به المقام، وهو الإيذان بأن المقصود بالتكليف هو إيقاع نفس الفعل المأمور به لإظهار عجزهم لا لتحصيل المفعول - أي المأتي به - ضرورة استحالته، وأن مناط الجواب في الشرطية - أعني الأمر باتقاء النار - هو عجزهم عن إيقاعه لا فوت حصول المفعول [4] .

ثم أتبع أبو السعود ما سبق بنص أوضح فيه فوارق المعنى بين حالين للفعل: أولاهما يكون الفعل فيها مطلقا عن التعليق بمفعول، وثانيتهما يعلق فيها الفعل بمفعول خاص [5] ، وهو نص مهم يحدد منهجية لفهم مراد الله - تعالى - من الآيات التي جاءت الأفعال فيها مجردة عن مفاعيلها كما في قوله - عز وجل {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] ، وقوله - تعالى-: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا

(1) انظر: تفسير أبي السعود: 3/ 470.

(2) انظر: السابق نفسه.

(3) يقصد مصدر الفعل (فأتوا) حيث أمرهم الله بالإتيان بالمثل، وجعل المصدر مفعولا للفعل (تفعلوا) والتقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان.

(4) تفسير أبي السعود: 1/ 140.

(5) راجع النص: 1/ 140، 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت