(5) وعلى صعيد البلاغة اهتم أبو السعود بمباحث علم البلاغة، وشاعت في تفسيره شيوعًا واضحًا أثرى التفسير بمستويات من الدلالة تضاف للمعنى الأولىّ للتركيب، فمن إشاراته لبلاغة التقديم والتأخير في تفسيره منبها على فائدته للمعنى، ما جاء في قوله - عز وجل-: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] فقد قُدِّم شبها الجملة (عليكم) و (من السماء) على المفعول به (ماءً) - وكان حقهما التأخير - للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر؛ فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم- ولا سيما عند كون المقدم منبئًا عن منفعة للسامع- تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن [1] ، وتقديم (عليكم) لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من السماء [2] .
ومثل ذلك ما جاء في قوله - تعالى-: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] ، حيث قُدمِّ شبها الجملة (لكم) و (فيها) على المفعول للعلة ذاتها، وتقديم (لكم) على (فيها) فلما أنه المنبئ عما ذكر من المنفعة، فالاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم [3] .
وقد يكون في المؤخر ضرب من التفصيل ربما يخلّ تقديمه بتجاوب أطراف النظم كما في قوله - تعالى-: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [المائدة: 15] ، فقد أخر المفعول (كثيرا) للنكتة السابقة، ولما فيه من التفصيل والتطويل [4] .
ومن إشاراته لبلاغة التكرار وما تضفيه على المعنى ما جاء في قوله - تعالى وعز-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] . قال أبو السعود بعد بيان معنى الآية:"وقد كُرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروعة وتربية المهابة، وللتنبيه على استقلال كل منها بمعنًى على حياله؛ فإن الأُولى حث على التقوى، والثانية وعد بالإنعام، والثالثة تعظيم لشأنه تعالى" [5] .
ومن شواهد بلاغة التكرار أيضا ما ألمح إليه أبو السعود عند تفسير قوله - عز وجل-: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا
(1) انظر: تفسير أبي السعود: 3/ 304، 3/ 162.
(2) السابق 3/ 204.
(3) السابق 3/ 162.
(4) فإن (مما) متعلق بمحذوف صفة ل (كثيرا) و (ما) موصولة وما بعدها صلتها والعائد إليها محذوف و (من الكتاب) متعلق بمحذوف وقع حالا من العائد المحذوف. انظر: تفسير أبي السعود 2/ 446.
(5) تفسير أبي السعود: 1/ 474.