فالسؤال عن الأنفال - تبعا لتلك الرواية - استعلام لحكمها، يدل على ذلك كلمة (عن) [1] ، يسألون عنها: كيف تقسم، وعلى من تقسم؟ [2]
والرواية الأخرى ما قيل من أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قد شرط لمن كان له بلاء أن ينفله، ولذلك فعل الشبان ما فعلوا من القتل والأسر، فسألوه ما شرطه لهم، فقال الشيوخ: المغنم قليل، والناس كثير، وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك، فنزلت الآية [3] .
وعليه، فالسؤال في الآية سؤال استعطاء لنفس الأنفال، و (عن) زائدة، واستدل من ذهب إلى ذلك المعنى اعتمادا على تلك الرواية بقراءة من قرأ (يسألونك الأنفال) [4] .
فالاختلاف في سبب نزول الآية أدى لاختلاف المعنى، واختلاف التوجيه بناءً عليه.
وقد رجح أبو السعود الرواية الأولى في نزول الآية مستدلا بكلمة (عن) ، وجعل القول بزيادتها (تعسفا ظاهرا) ، ووجه قراءة من قرأ بغير (عن) على الحذف والإيصال [5] ؛ أي: على حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى المعمول بنفسه دون وساطة الحرف. وعليه، فإن السؤال سؤال عن حكم الأنفال كما على الرواية الأولى، وليس استعطاء لذاتها.
ومثله قوله - عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] .
ذكر أبو السعود وجهين في مرجع الضمير في (يعلموا) تبعا لذكره روايتين في سبب النزول.
الآيات من قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102] ، وحتى الآية موطن الشاهد - مرتبطة ببعضها.
(1) انظر: أبا السعود 3/ 295.
(2) تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص: 325.
(3) انظر: أبا السعود 3/ 295. وانظر: جامع البيان للطبري ج 11/ 14، أسباب النزول للسيوطي ص: 121.
(4) انظر: أبا السعود 3/ 395.
(5) انظر: أبا السعود 3/ 295.