التوجيه الأول: أن يكون التقدير على حذف لام الجر: (لأنكم في العذاب مشتركون) [1] فهو تعليل لنفي النفع، أي: لن ينفعكم يوم القيامة تمنيكم لمباعدة قرنائكم؛ لأن حقكم أن تشتركوا في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا [2] .
وعليه، فإن محل المصدر المؤول - تبعا للخلافات المشار إليها سابقا - إما النصب على حذف الجار، وإما الجر بإبقاء عمله بعد حذفه [3] .
وفاعل (ينفعكم) مضمر قدره بعضهم بضمير التمني المدلول عليه بقوله: {يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} [الزخرف: 38] [4] ، أي: لن ينفعكم تمنيكم البعد [5] . وقدره بعضهم: ظلمكم، وجحدكم، واجتماعكم [6] .
التوجيه الثاني: أن يكون المصدر المؤول من (أن) ومعموليها في محل رفع فاعل (ينفعكم) [7] ، فالفعل مسند إلى (أنّ) وما في حيزها [8] ، والتقدير: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفع الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله [9] .
وقد ردّ أبو السعود هذا المعنى محتجا بأن الانتفاع بذلك الوجه ليس مما يخطر ببالهم حتى يردّ عليهم بنفيه، بل بمعنى: لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم؛ حيث كنتم تدعون عليهم بقولكم: {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 68] ، وقولكم: {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] ونظائرهما لتتشفوا بذلك [10] .
(1) أبي السعود 6/ 88. وانظر: الكشاف للزمخشري 4/ 158، التبيان للعكبري 2/ 319.
(2) انظر: أبا السعود 6/ 88، الكشاف للزمخشري 4/ 158.
(3) انظر: الدر للسمين 9/ 590، اللباب لابن عادل 17/ 265.
(4) انظر: التبيان للعكبري 2/ 219، البحر لأبي حيان 8/ 18، الدر للسمين 9/ 590.
(5) انظر: التبيان للعكبري 5/ 219.
(6) انظر: الدر للسمين 9/ 590، اللباب لابن عادل 17/ 264.
(7) أبي السعود 6/ 88، وانظر: التبيان للعكبري 2/ 319، البحر لأبي خيان 8/ 18.
(8) أبي السعود 6/ 88.
(9) البحر لأبي حيان 8/ 17، الدر للسمين 9/ 590.
(10) أبي السعود 6/ 88.