فالمعنى على الوجه الأول تعليل كما يفيده حرف الجر المحذوف، أي: لن ينفعكم تمنيكم المباعدة بينكم وبين قرنائكم، لأنكم في العذاب مشتركون، وعلى الوجه الثاني: لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، فهو تقنيط لهم وتيئيس من كل خير [1] .
وفي قوله - جل ذكره-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] . ذكر أبو السعود في المصدر المؤول (أن المساجد لله) توجيهين [2] :
أولهما: أن يكون معطوفًا على قوله: (أنه استمع) [3] في قوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 1] ، أي: وأوحي إلىّ أن المساجد مختصة بالله تعالى [4] .
فمحله رفع لأن المعطوف عليه محله الرفع بالإسناد ل (أوحي) على ما لم يسم فاعله [5] .
ثانيهما: أن يكون التقدير: (ولأن المساجد لله فلا تدعوا) أي: لا تعبدوا فيها مع الله أحدًا غيره [6] . وهذا مذهب الخليل كما أن قوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: 92] على تقدير: (ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ، أي: لهذا فاعبدوني [7] .
فالتقدير في الآية مثله، أي: ولأن المساجد لله - أي: لهذا السبب - فلا تدعوا مع الله أحدا غيره [8] .
(1) انظر: البحر لأبي حيان 8/ 17، 18.
(2) انظر: أبا السعود 6/ 412.
(3) أبي السعود 6/ 412، وانظر: الحجة لابن خالويه ص:354، البحر لأبي حيان 6/ 345.
(4) انظر: الحجة للفارسي 6/ 331، وانظر: أبا السعود 6/ 412.
(5) انظر: البحر لأبي حيان 8/ 340.
(6) أبي السعود 6/ 412.
(7) الحجة للفارسي 6/ 331، 332.
(8) انظر: البحر لأبي حيان 8/ 345، وانظر: أبا السعود ح 6/ 412.