مستلزم لكون الخطاب في قوله (ولا تتفرقوا فيه) للأنبياء المذكورين - عليهم الصلاة والسلام -، وتوجيه النهي إلى أممهم تمحُّل ظاهر، مع أن الأظهر أنه متوجه إلى أمته - صلى الله عليه وسلم - وأنهم المتفرقون كما ستحيط به خبرا [1] .
(2) المصدر المؤول من (أنَّ) ومعموليها:
(أنّ) من نواسخ الجملة الاسمية، تدخل عليها فتنصب المبتدأ اسما لها وترفع الخبر خبرا لها، وهي وإن كانت تدخل على جملة من مبتدأ وخبر إلا أنها بدخولها عليها تنسخهما فلا يكونان جملة [2] ، وإنما تكون وما بعدها مما يؤول بالمصدر فتقع مواقع المفردات وتعرب بإعرابها [3] .
ومما تعدد موقعه من المصدر المؤول من (أنّ) ومعموليها في تفسير أبي السعود - رحمه الله - ما جاء في قوله - جل ذكره: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] .
ذكر أبو السعود أن قوله (أن لهم جنات) يحتمل أن يكون في محل النصب بنزع الخافض وإفضاء الفعل (بشِّر) إليه، ويحتمل أن يكون في محل الجر بإضمار حرفه كما في: الله لأفعلن [4] .
فالأصل: وبشر الذين آمنوا بأن لهم، فحذف حرف الجر مع (أن) [5] ، وهو حذف مطرد معها ومع (أنْ) الناصبة للمضارع شريطة أمن اللبس بسبب طولهما بالصلة [6] ، فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف بين النحاة،؛ فذهب فريق إلى أن موضع المصدر المؤول نصب بإفضاء الفعل إليه، وجوز آخر أن يكون موضعه الجر وإن حذف الحرف [7] .
وفي قوله - سبحانه: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 48، 49] .
ذكر أبو السعود في محل (أني أخلق لكم) عدة أوجه [8] :
(1) أبي السعود 6/ 62.
(2) إعراب الجمل وأشباه الجمل لقباوة ص:7.
(3) انظر: شرح الرضي على الكافية 4/ 441، دراسات عضيمة القسم الأول 1/ 533.
(4) أبي السعود 1/ 143، وانظر: البحر لأبي حيان 1/ 254.
(5) انظر: معاني الزجاج 1/ 101، إعراب النحاس ص:29.
(6) انظر: شرح المفصل لابن يعيش 8/ 51.
(7) انظر: معاني الزجاج 1/ 101.
(8) انظر: أبا السعود 2/ 61.